الصفحة 28 من 39

(ب) : تضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق.

(ج) : إيجاب الدية على الجاني لا العاقلة في القتل العمد.

(ص 134)

وهذا كله دال على أن الضمان قد يتأثر بنوع الجريمة الموجبة له مما يعني أنه لا يُقصد به الجبر المحض وإنما الجبر المشوب بالزجر.

وأما الرد على أدلة القول بأن الحكمة هي الجبر المحض فأجملها فيما يلي:

? أما قولهم: بأن الشارع أوجب الضمان على العاقلة في القتل الخطأ، وأن عمر، رضي الله تعالى عنه، أوجبه على أهل الديوان. وهذا يتنافى مع إرادة الزجر.

فالجواب عنه: هو أن هذا الأمر إنما كان من الشارع استثناء في حالة القتل الخطأ خاصة. وذلك لأن فقد النفوس ليس كفقد الأموال، وهذا معلوم من المشاهد في اطراد العادات؛ فالناس، في أغلبهم، لا يستبدلون، لو خُيروا، مال الدنيا بميتهم، ولا مساواة أو تماثل أصلا بين نفس الإنسان والمال بالغا ما بلغ هذا المال. ونظرا لذلك فإن الشارع أراد أن يضْمَن ـ بأفضل وسيلة وأسرعها ـ حصولَ المواساة لأهل القتيل بمبلغ جيد من المال تخفيفا لألمهم، ومنعا لاشتعال ثائرة الانتقام في نفوسهم. فعدل عن معنى زجر الجاني في هذه الحالة لهذه المصلحة التي هي أكبر من الزجر. وأناط الضمان بجهة هي أقدر على دفعه، لاسيما وهو مبلغ كبير نسبيا لا يقوى الجاني، غالبا، على دفعه وحده.

إذن، إيجاب ضمان النفس في القتل الخطأ وجب على العاقلة لا على الجاني، استثناء من قاعدة الضمان لحكم متعددة:

منها: ضمان وصول التعويض لأهل المقتول بأسرع وسيلة وأوثقها، تخفيفا لمصابهم، وإطفاء لثائرة الانتقام في نفوسهم.

ومنها: أن دية القتل الخطأ كبيرة نسبيا إذا ما قيست بضمان باقي المتلفات، ولذا لا يقوى الفرد على أدائها فوجبت على العاقلة.

وفي هذا الصدد يقول ابن القيم، رحمه الله تعالى: (( العقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مالٌ كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، ولا شبهه على الصحيح. والخطأ يُعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدية في ماله ضررٌ عظيم عليه من غير ذنب تعمده. وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته، فلا بد من إيجاب بدله. فكان من محاسن الشريعة وقيامها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت