الصفحة 27 من 39

أحدهما: ما روى الشيخان عن عمران بن حصين: أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فمه فوقعت ثنيَّتاه، فاختصموا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (( يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية له ) ) [1] . فالحديث واضح في أن المعتدي إذا ناله الضرر نتيجة لاعتدائه فلا ضمان له.

والدليل الثاني: ما روى الشيخان، عنه، صلى الله عليه وسلم، قال: (( لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ) ) [2] . وفي روايات للحديث عند غير البخاري: (( ما كان عليك من ذلك من شيء ) )، و (( فلا دية ولا قصاص ) )، و (( فهو هدر ) ) [3] .

فنجد من خلال هذين الدليلين أن عنصر الضرر المستلزم للجبر قد تحقق، ولكن عنصر الخطأ أو العدوان المستلزم للزجر لم يتحقق، فانتفى الضمان. ولو كان وصف الجبر متمحِّضا في القصد لما انتفى الضمان في مثل هذه الحالة.

ثانيا: أن الدواب لا يضمن صاحبها بإطلاق الحالات، بل حالة ما إذا قصر أو أهمل فقط، وذلك لقوله، صلى الله عليه وسلم: (( العجماء عقلها جبار ) ) [4] . ولو كان المقصود الجبر المحض لضمن صاحب العجماء مطلقا، كما ينادي به أصحاب نظرية تحمل التبعة.

ثالثا: أن هناك أفعالا زاد الشارع في قيمة أو كيفية ضمانها نتيجة لعظم الجرم أو قبحه، وذلك مثل:

(أ) : تغليظ الدية في العمد وشبهه مطلقا.

(1) البخاري، الصحيح، (6497) ، كتاب الديات، باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه. ومسلم بن الحجاج، الصحيح، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (1673) ، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول.

(2) البخاري، الصحيح، (6506) ، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له. ومسلم، الصحيح، (2158) ، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره.

(3) انظر هذه الروايات ورواتها عند ابن حجر، فتح الباري، ج 12، ص 255.

(4) البخاري، الصحيح، (6515) ، كتاب الديات، باب العجماء جبار. ومسلم، الصحيح، (1710) . كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت