وبهذا تقل الأفعال الضارة العمدية وغير العمدية في المجتمع. ولنسم هذا المعنى بـ (( الزجر المحض ) ).
2.وإما مجرد جبر ضرر الشخص المتضرر، وهذا الجبر يتخذ شكلين:
أحدهما: الجبر المادي، وذلك عن طريق التعويض بالمثل أو القيمة، وفي هذا الجبر مصلحة ظاهرة للمتضرر.
والشكل الآخر: الجبر المعنوي، وذلك عن طريق شفاء غيظ هذا الشخص المتضرر؛ وفي هذا النوع من الجبر مصلحتان: مصلحة نفسية خاصة للمتضرر بسكون نفسه وهدوء ثائرته، ومصلحة عامة باستتباب الأمن والتوقف عن الفعل ورد الفعل، أو الثأر، المؤدي إلى مفاسد متضاعفة. ولنسم معنى الجبر هذا، بشقيه المادي والمعنوي، بـ (( الجبر المحض ) ).
3.وإما مجموع وصفي الزجر والجبر، بأن يكون كلا المعنيين مقصودا للشارع من شرع الحكم بالضمان. ولنسم هذا المعنى بـ (( الزجر والجبر معا ) ).
وعليه، فحكمة الضمان، بالتقسيم والنظر العقلي، تدور حول معنيين، هما الزجر والجبر: إما بانفراد كل واحد منهما على حدة، وإما بمجموعهما.
(ص 130)
ودورنا الآن بعد الوفاء بمهمة (( التقسيم ) )، أن نمارس مهمة (( السبر ) ) [1] لفحص أي من هذه الأوصاف المناسبة يصلح، من الوجهة الشرعية، أن يكون حكمة للضمان.
(( سبر ) )الحكم المناسبة المحتملة لحكم الضمان:
أولا: حكمة الزجر المحض:
إن القول بأن الضمان شرع لحكمة (( الزجر المحض ) )يقتضي أن يكون الضمان مجرد عقوبة [2] .
(1) قال الأستاذ علي حسب الله: (( إذا وجد [المجتهد] في الفعل عدة أوصاف مناسبة كان سبيله إلى تعيين أحدها: (( التقسيم والسبر ) ). أما التقسيم: فهو حصر الأوصاف المناسبة التي تصلح علة لحكم الأصل في نظر المجتهد. وأما السبر فهو بحث كل وصف من هذه الأوصاف واختباره، ليصل المجتهد إلى إبطال بعضها، ولو بدليل ظني، فيسلم له منها وصف لا يحتمل الإبطال فيكون هو العلة )) . حسب الله: علي، أصول التشريع الإسلامي، دار المعارف، مصر، ط 5، 1396 هـ=1976 م، ص 157.
(2) وقد مالت إلى ذلك بعض التشريعات الوضعية، كالقانون العرفي الإنجليزي في مرحلة من مراحل التطور التاريخي له، إذ لم يكن يوجب الضمان على الشخص إلا إذا توافر لديه القصد السَّيء أو التعمد. انظر: سراج: محمد أحمد، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1414 هـ=1993 م، ص 80.