? وأما قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها} [الشورى:40] فكسابقتها، إذ قد سُبقت بقوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] ، وجاء بعدها قولُه تعالى: {ولَمَن انتصر بعد ظلمه أولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] وكل هذا آتٍ في سياق العقوبة والأخذ بها أو العفو عنها، وهذا لا يستقيم والضمان، إلا إذا قلنا: إنه، أي الضمان، عقوبة خالصة شُرعت للزجر. وهذا لا يقول به أحد، أعني من فقهاء الإسلام.
? وأما قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] فقد نزل عقب غزوة أحد وتمثيل المشركين بالشهداء، فقال الصحابة: (( لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم ) ) [1] ، ولذا فالآية بينة في أنها نزلت في الاقتصاص والعقوبة بالمثل. والضمان ليس من هذا الأمر بسبيل.
? وأما الحديث: (( طعام بطعام وإناء بإناء ) ) [2] فقد وُجه للاستدلال به على الضمان نقدان:
أحدهما: ما قاله البيهقي عن بعض أهل العلم: إن (( الصحفتين جميعا كانتا للنبي، صلى الله عليه وسلم، في بيتي زوجتيه، ولم يكن هنا تضمين إلا أنه عاقب الكاسرة بترك المكسورة في بيتها ونقل الصحيحة إلى بيت صاحبتها ) ) [3] . أي أن القصعتين: المكسورة، وبديلتها، كليهما تعود ملكيتهما إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم. وعليه، لم يكن هناك ثمة طرفان ضامن ومضمون له حتى يُستدل بهذا الحديث على حكم الضمان.
والنقد الآخر: هو أن الطعام ليس من المثليات حتى يُضمن بالمثل، لا سيما أن في بعض طرق الحديث ما يشير إلى أن الطعامين كانا مختلفين كما يقول الحافظ
(1) الترمذي، السنن، رقم (3129) ، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النحل. وقال: حسن غريب.
(2) الترمذي، السنن، برقم (1359) ،كتاب الأحكام عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء فيمن يُكسر له الشيء ما يحكم له من مال، وقال حسن صحيح. والحديث بمعناه في البخاري، الصحيح، رقم (4927) ، كتاب النكاح، باب الغيرة.
(3) البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ=1994 م، ج 6، ص 96.