وتأسيسا على هذا، فوصف الفِعل المرتَكب في القاعدة بكونه شرًّا وضررًا إنّما هو من حيث الأصل والإطلاق في الظّروف العادية، أمّا في الأحوال الاستثنائية فهذا الشرّ يتحوّل إلى خير، وهذا الضّرر يتحوّل إلى نفع، لكن لا من حيثُ ذاتُه، وإنّما من حيث ما اندفع به من شرٍّ أعظم، وضررٍ أكبر. ومن هنا جاز لنا وصفه بالوجوب وبالجواز، فأكل الميتة في الظّروف العادية شرٌّ يُعاقب فاعله ويُثاب تاركه، لكنْ في ظرف الاضطّرار ينقلب هذا الشرّ إلى واجب يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه. قال ابن تيّميّة، رحمه الله:
«إذا ازدَحم واجبان لا يمكن جمعُهما فَقُدِّم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تاركَ واجبٍ في الحقيقة. وكذلك إذا اجتمع محرَّمان لا يمكن تركُ أعظمِهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرَّمًا في الحقيقة. وإن سُمِّي ذلك تركَ واجب، وسُمِّي هذا فعلَ محرّم، باعتبار الإطلاق، لم يضرّ. ويُقال في مثل هذا تركُ الواجب لعذر، وفعلُ المحرَّم للمصلحة الراجحة أو للضَّرورة؛ أو لدفع ما هو أحرم» [1] .
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية: (20/ 57) .