ومعنى القاعدة واضحٌ من خلال ألفاظها، وحاصله أنّه إذا صار المكلَّف في حال لا بدَّ له فيها من فعل أحد محذورين، فعليه أن يفعل أقلَّهما ضررًا. مثال ذلك واجد الميتة في المخمَصة: إمّا أن يأكل من الميتة فيحيا، وإمّا أن يترك الأكل منها فيموت. والواجبُ «عليه أكلُها، لأنَّ مفسدة فوات النّفس والأعضاء أعظمُ من مفسدة أكل النجاسات» [1] .
وارتكاب الضَّرر الأخفّ، أو اختيار أهون الشّرين، أو تحمُّل الضّرر الأدنى، كما تقتضيه الصِّيغ اللفظية المختلفة للقاعدة:
-قد يكون على سبيل الوجوب، كما في الاضطّرار في المخمَصة،
-أو على سبيل الجواز، كما في حالة الإكراه على النّطق بكلمة الكفر،
-أو قد يكون هناك تنوُّعٌ في الحكم على فعلٍ واحدٍ في ظروفٍ مختلفة، فيجب أو يجوز ارتكابه لأنَّه أخفُّ الضّررين، كـ «الرمي بالزِّنا» ؛ فإنَّه «مفسدةٌ لما فيه من الإيلام بتحمُّل العار، لكنَّه يُباح في بعض الصّور، ويجبُ في بعضها؛ لما يتضمَّنه من المصالح. وله أمثلة: أحدها: قذف الرّجل زوجتَه إذا تحقَّق زناها؛ شفاءً لصدره؛ لما أدخلته عليه من ضرر إفسادِ فراشه وإرغام غيرته. الثاني: وجوب قذفها إذا أتت بولدٍ يلحقه في ظاهر الحكم، وهو يعلم أنَّه ليس منه، فيلزمه أن يقذفها لنفيه؛ لأنّه لو تَرك نفيَه لخالط بناتِه وأخواتِه وجميعَ محارمه، وَوَرِثَه، ولَزِمته نفقتُه، ولتولَّى أنكحة بناته، إلى غير ذلك» [2] .
(1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: (1/ 94) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: (1/ 115) .