فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 49

بالضّرر اللّاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يُتمارى في ترجيح الثّاني عن الأول» [1] .

لكن رأى آخرون أنّه لا يتعيَّن التوظيف بل يمكن أن تندفع الحاجة بالاقتِراض على بيت المال، كما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يفعله عند مسيس الحاجات [2] .

وممّا يُناظر مسألة عجز بيت المال عن الوفاء بحاجات الدولة مسألة عجز الزوج عن النَّفقة على زوجه، فأجاز لها الجمهور طلبَ التفريق اختيارًا لأهون الشّرين، ولم يرَ الحنفية ذلك؛ لأنَّ لديها خيارًا أقلَّ ضررًا من التفريق، وهو الاستدانة على الزّوج. قال الكاساني: «التفريق إبطال ملك النِّكاح على الزوج من غير رضاه، وهذا في الضّرر، فوق ضرر المرأة بعجز الزوج عن النّفقة؛ لأنَّ القاضي يفرض النّفقة على الزوج إذا طلبت المرأة الفرض، ويأمرها بالإنفاق من مال نفسها إن كان لها مال، وبالاستِدانة إن لم يكن إلى وقت اليَسار، فتصير النفقةُ دينًا في ذِمَّته بقضاء القاضي، فترجع المرأة عليه بما أنفقت إذا أيسر الزوج، فيتأخّر حقُّها إلى يسار الزوج ولا يبطل، وضررُ الإبطال فوق ضرر التأخير» [3] .

ومن الأمثلة - المعاصرة - خلافُهم في اتخاذ بنوك الحليب، فبينما رأى بعضُهم جواز ذلك دفعًا للأضرار عن الأطفال الخُدَّج وناقصي الوزن ونحوهم ممن تشتدُّ حاجتهم إلى اللّبن الطبيعي، قرّر آخرون التحريم؛ لاختلاط المحرَّمِين بالرَّضاعة؛ ولأنَّ الحاجة تندفع

(1) الاعتصام للشاطبي: (2/ 619) .

(2) ذكر هذا الرأي عنهم الجويني في غياث الأمم وفنَّده: ص 247، وما بعدها.

(3) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني: (2/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت