إلى الواقعة دون اعتبارٍ للمقدِّمات التي أدَّت إليها، وذا يشبه أن يغلب على مذهب الحنفيّة، ومنهم من يعتدُّ بالمقدِّمات ويعتدُّ بالمعيار الشخصي في تجويز فعل أحد الشّرين أو تحريمه، وذا يشبه أن يغلب على مذهب الشافعية، بل الجمهور عمومًا.
ولعلّ من أبرز الأمثلة التي تدلِّل على هاتين المنهجيتين في النّظر الفقهي مسألة الترخيص للعاصي بسفره، والتي يعود الخلاف فيها - فيما يعود إليه - إلى اختلاف السَّلف الكرام في تفسير المقصود بالبغي والعدوان في قوله تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة:174) . قال ابن جرير: «وأمّا قوله:"غيرَ بَاغ ولا عَاد"، فإنّ أهل التأويل في تأويله مختلفون: فقال بعضهم: يعني بقوله:"غير باغ"، غيرَ خارج على الأئمّة بسيفه باغيًا عليهم بغير جَور، ولا عاديًا عليهم بحربٍ وعدوان، فمُفسدٌ عليهم السبيلَ» [1] . ونَقَلَ عن مجاهد قوله: «لا قاطعًا للسبيل، ولا مفارقًا للأئمّة، ولا خارجًا في معصية الله، فله الرخصة. ومن خرج باغيًا أو عاديًا في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطُّرَّ إليه» [2] . وعن ابن المسيِّب قوله: «إذا خرج في سبيل من سُبُل الله فاضطّر إلى شرب الخمر شرب، وإن اضطّر إلى الميتة أكل. وإذا خرج يقطع الطّريق، فلا رخصة له» [3] .
قال ابن جرير: «وقال آخرون: في تأويل قوله:"غيرَ باغ ولا عاد": غيرَ باغٍ الحرامَ في أكله، ولا معتدٍ الذي أُبيحَ له منه» [4] . ونقل عن قتادة قوله: «غير باغ في أكله، ولا
(1) تفسير الطبري: (3/ 322) .
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) المرجع السابق.