المهم أنَّنَا لم نعد نتحرك للدفاع عن إخواننا ولا حتى عن أنفسنا وأهلينا، وننتظر حتى يدهمنا العدو في عقر دارنا ولا نملك وقتها إلا الصراخ والعويل والاستنجاد، بالأمم المتحدة والشرعية الدولية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، ولكن لا حياة لمن تنادي!
وبعد كل مصيبة تصيب الأمة أو أحد شعوبها يسارع العلماء المأجورون للقنوت وإلقاء الخطب المبكية الحزينة؛ ثم نكتفي بذلك ونعود لممارسة أنشطتنا وحياتنا المعتادة بشكل طبعي وكأن شيئا لم يحدث!!
ولقد فضح الله السياسيين العملاء ممن يتمسحون بالإسلام والأحزاب التي ركبت على أكتاف الثائرين الحقيقيين في دول ما يسمى بالربيع العربي, من خلال مواقفهم وتصريحاتهم المخزية بنبذ العنف ودعوة المسلمين لضبط النفس والتظاهر السلمي لإظهار غضبتهم.
حولوه إلى أسود وأبيض:
لقد كان لحسن الخلق في المجتمعات الإسلامية القدم المعلى! لم لا وقد جمع الله سبحانه وتعالى صفات رسوله الحميدة في قوله تعالى:"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وقال صلى الله عليه وسلم:"إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وظل المسلمون ينحدرون دينيا ودنيويا وظلت الأخلاق تنحدر معهم بعد أن أصبحت الدنيا همهم، وإشباع الرغبات والشهوات هي ديدنهم - إلا من رحم الله- ولذا نرى هذا الانحدار الرهيب في الأخلاق وفي السلوك دون ما إحساس بالخجل أو الحياء أو الاعتذار بعد بدور هذه السقطة أو تلك، والأدهى منه وأمرّ هو أن المجتمع قد ألف تلك الأخلاق السيئة، فلا تسمع من ينكر على القائم بها، ولو أنكر عليه فعلى استحياء وبكلمات عابرات لا يلبث أثرها أن ينمحي ويعود الجميع لممارسة حياتهم وكأن شيئا لم يحدث.
فالكذب من أكبر الكبائر، ونفى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون المؤمن كذابا، وعَدَّ الكذب من علامات النِّفاقِ. روى مالكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ فَقَالَ: لاَ". ومع ذلك فقد أصبح الكذب مثل العِلْكَة، في أفواه معظم الناس، حتى إنَّهم قسموه إلى كذب أبيض وآخر أسود، وشاع أنَّ نفي السياسيين وكبار المسئولين للشيء هو الإثبات، فإذا قال إنَّه لم يفعل كذا فقد فعله، وإن قال إنه لن يفعله فسوف يفعله! وقد قال العلماء إنَّه:"يجب على المتولي أو المسئول ألا يَعِدُ عِدَةً لا يثق من نفسه بالقدرة على إنجازها"، وكذلك"عليه ألا يكذب لأنَّه لا يُكْرِهُه أحَدٌ على الكذب"."
وقس على ذلك في المصالح الحكومية والمعاملات التجارية والعلاقات الأسرية والشخصية!