الصفحة 82 من 155

منطقةٍ مهجورة أو مكانٍ لا يجد فيه من يساعده على إصلاحها، فأين هذا من الأمن المفقود والخوف من الخروج من البيوت بعد المغرب واستفحال ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء كما يحدث في مصر مثلًا رغم وجود عشرات الآلاف ممن خدموا في النظام السابق من أفراد الشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارات.

ولئن كنا قد تخلصنا من الطاغوت إلا أن نظامه لا زال قائمًا وزبانيته وأعوانه لا زالوا يحتلون المناصب ويمسكون بالمقاليد في كل مفاصل الدولة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية والثقافية والتعليمية، فالمسؤولية كبيرة والمهمة عسيرة ولكن لا حيلة للمضطر إلا ركوب الصعب والمواجهة.

لقد كان من أهم المكتسبات التي يجب العض عليها بالنواجذ خلال الثورات الشعبية المباركة ذلك التلاحم الفريد بين أفراد الشعب الذي ذابت فيه الفوارق الاجتماعية والثقافية والتعليمية والسِّنية كذلك، فسادَ الحب والاحترام والأدب عامة الطوائف، ولذا فإني أعتقد أن من بركات الثورة المصرية إعادة روح التسامح والحمية في الذب عن الآخرين رغم عدم القرابة واقتسام المأكل والمشرب والخيمة بل وصلت إلى حد إعطاء دروسٍ للعالم في النظافة الشديدة والنظام وهي مبادئ كانت مفتقدة وعلاها الغبار.

إن المحصلة الحالية للثورات التي نجحت في الإطاحة بحكامها في تونس ومصر وليبيا واليمن ليست على المستوى المأمول ولم يتم تحقيق أهم الأهداف السامية التي أُعلن عنها في بداية انطلاق الثورات ودخلت تلك الدول -خصوصًا مصر- في دوامات من عدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني والنزاعات القضائية والانقسام الشعبي، والمستفيد الأوحد من كل ما يحدث هم أرباب وأعوان النظام السابق الذين لم تتم إدانة أحدٍ منهم خاصةً المسؤولين الكبار ومجرمي وزارة الداخلية والاستخبارات، ولم يتم استرجاع الممتلكات العامة التي استولوا عليها ولا الأموال التي نهبوها وهربوها للخارج، بينما زادت معاناة الشعب المصري على كافة الصعد خاصةً الناحيتين الاقتصادية والأمنية، بالإضافة إلى تشتيت القوى الشعبية والوطنية.

ودور شباب الثورة والصحوة والجماعات الإسلامية أن يكونوا على بصيرة ووعي لما يحاك ضدهم من مؤامرات وما قد يُنصب لهم من شراك ليقعوا في مستنقع الخلافات والانقسامات والمعارك الجانبية والصدامات فيما بينهم أو بينهم وبين القوى المؤيدة للنظام السابق أو المعارضة للنظام الجديد من ليبراليين وعلمانيين وأتباع الأحزاب غير الإسلامية، أو بينهم وبين القوى الأمنية أو العسكرية التي تتولى حماية السلطة الجديدة وهي نفس القوى التي كانت تحمي النظام القديم، كل هذا لصرفهم عن مواجهة العدو الحقيقي من الصليبيين واليهود وعملائهم في الداخل، واستكمال أهداف الثورة وعلى رأسها تطبيق أحكام الشريعة والقيام بدورهم المطلوب في البناء وإعادة عجلة الحياة لتدور من جديد وإصلاح ما أفسدته الأيادي الآثمة التي تناوبت حكم مصر على مدار الستين عامًا الماضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت