بعد بدر. وذهب بعض أهل العلم منهم أبو سعيد الخدري، ونافع، والحسن، وقتادة، وهو مذهب أبي حنيفة، أن هذا الوعيد خاص ببدر.
من أقوال العلماء في ذلك:
قال أبو زكريا النحاس رحمه الله: (اعلم أن الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر الذنوب عند الله تعالى بإجماع العلماء، وفاعله مستحق لغضب الله ومقته، وأليم عذابه، وقد ورد في الترهيب من ذلك والتحذير من فعله جملة أحاديث) [1] .
قال ابن قدامة رحمه الله: (وجملته أنه إذا التقى المسلمون والكفار، وجب الثبات، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] ، وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة، ولا يجب في غيرها، والأمر مطلق، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم عام؛ فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل، وإنما يجب الثبات بشرطين:
أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار، لقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} [الأنفال: 66] ، وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله: {الآن خفف الله عنكم} ولو كان خبرًا على حقيقته لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفًا، ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره، وقد علم أن الظفر والغلبة لا تحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون، فعلم أنه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها. قال ابن عباس: نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] ، فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله: {يغلبوا مائتين} فلما خفف الله عنهم في العدد، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد، رواه أبو داود [2] . وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر.
(1) مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام، للنحاس، 1/ 566.
(2) رواه أبو داود، 2/ 43 في الجهاد.