الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة، ولا ليتحرف لقتال: فإن قصد أحد هذين، فهو مباح له لقول الله تعالى: {إلا متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئةٍ} [الأنفال: 16] . ومعنى التحرف لقتال، أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر من أيديهم لتنتقض صفوفهم أو تنفرد خيلهم من رجالاتهم. أو ليجد فيهم فرصته، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب).
لا فرق في هذا بين أن يكون الجهاد فرض عين أم فرض كفاية:
الفرار من الزحف من أكبر الكبائر، وأعظم العظائم، وهو من المهلكات الموبقات، سواء كان الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، طالما أن المرء شهد القتال، ووقف في الصف.
قال النحاس رحمه الله:(اعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على الإنسان ثم حضر الصف صار عليه فرض عين، وحرم عليه الفرار، وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار على المثلين، فإن فر متحرفًا لقتال كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم أو يكون في مضيق فينصرف ليتبعه العدو إلى متسع يسهل القتال فيه ... وكذلك إذا فر متحيزًا إلى فئة يستنجد بها جاز، وسواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة على الصحيح.
ومن عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح؛ فله الانهزام إن لم يمكنه الرمي بالحجارة، فإن أمكنه الرمي بالحجارة حرم عليه الانهزام على الأصح، ويسن لمن وقع له شيء من الأعذار وأراد أن يولي، أن يولي متحرفًا أو متحيزًا، ولو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلًا فله الانهزام، ولو غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل لم يجز له الانهزام على الصحيح، وإن زاد عدد الكفار على المثلين جاز الانهزام، وإن كانوا رجالة والمسلمون فرسانًا، فلو كان المسلمون رجالة والكفار فرسانًا حرمت الهزيمة) [1] .
حكم الفرار إذا كان عدد المسلمين أكثر من اثني عشر ألفًا:
ذهب أهل العلم في حل الفرار إذا كان عدد المسلمين اثني عشر ألفًا أو أكثر مذهبين:
(1) مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، 1/ 569.