إن الأحناف وإن فرقوا من حيث المبدأ بين الحد والتعزير, وذكروا بأن التعزير لا يتجاوز الحد, إلا أن العبارات, وترتيب الأبواب, و التطبيقات, أظهرت تناقضا لهذا التقسيم على ظاهره, وفراغا يدل على أنهم نظروا للتعزير باعتبارات متعددة, وأن تقسيمهم للتعزير والتطبيقات والعبارات وراءها فكرة, نحاول إبراز هذه الفكرة, ومعالمها, وأشير إلى أن ما أذكره هو قراءة لأراء الأحناف, أي فهم عباراتهم, ولهذا نحترم, ونقدر أي رأي مخالف.
إن القراءة السابقة لأراء الأحناف ظهر لنا من خلالها تناقضا لا يمكن قبوله في حق من هم في درجة هؤلاء الأعلام, ولهذا نتردد في قبولها, مما دعانا لإعادة قراءة هذه الآراء.
لقد اتفق فقهاء الأحناف على أن التعزير عقوبة لجريمة لا حد فيها [1] ,وتدل ظاهر الآراء على أن الحد قيد على التعزير, إلا أن دراسة التطبيقات, والعبارات تدل على أن التعزير المقيد بالحد هو التعزير الذي يدخل في جنس الحد, ولا معنى زائدا عن الحد يتضمنه, وقد أظهرت هذا عبارات فقهاء المذهب, وتطبيقاتهم, ولهذا إذا وردت عبارات تدل على تجاوز الحد, وهي تعزير فيحمل على الجرائم التي زادت عن معنى الحد, أو كانت مما لا حد في جنسها, وقد ابرزت هذه التفرقة عبارات وتطبيقات فقهاء المذهب صراحة, والقول بغير هذا يظهر تناقضا لأراء المذهب, بل لعبارات الفقيه الواحد في كثير من الأحيان, وهذا لا يقبل فيمن هو بمنزلة فقهاء المذهب, ونعرض أهم ما تضمنته عبارات وتطبيقات فقهاء المذهب من معاني, ونبين دلالتها على تقسيم الجرائم, والعلاقة بين هذه الأقسام.
عرف ابن عابدين التعزير فقال: (تأديب دون الحد أكثره تسع وثلاثون سوطا) [2] , وجعل مطلبا للتعزير وسمه ب (مطلب التعزير بالقتل, وذكر فيه جرائم لا حد فيها, ولا تدخل في الحد صورة ومعنى, وإن تعلقت بموضوع الحد, منها مثلا اللواط, فهو وإن تعرض بالأخلاق والأعراض, والنسل إلا أنه ليس في صورة الزنا, وذكر تكرر السرقة, والعوان) [3] , يقول الكاساني: (فصل وأما قدر التعزير فإن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد, كما إذا قال لغيره يافاسق, فالإمام بالخيار إن شاء عزره بالضرب, إن شاء بالحبس .... وإن وجب بجناية في جنسها حد لكنه لم يجب لفقد شرطه , كما إذا قال لمجنون يازاني ... فالتعزير فيه بالضرب, ويبلغ أقصى غايته وذلك تسعة وثلاثون سوطا) [4] .
إن دلالة العبارات السابقة على تعدد وجوه التعزير ظاهرة, أي أن للتعزير أكثر من وجه, وأن المرتبط بالحد من حيث العقوبة هو التعزير المرتبط به من حيث الوصف التجريمي, ولا يشمل
(1) - الكاساني, بدائع الصنائع 7/ 94 وما بعدها. ابن عابدين, حاشية ابن عابدين 4/ 227 وما بعدها.
(2) ابن عابدين, حاسية ابن عابدين 4/ 227.
(3) - المرجع السابق 4/ 231.
(4) - الكاساني, بدائع الصنائع 7/ 94 - 95.