قسمين حرابة حدية وتعزيرية, فالحرابة الحدية هي الصور الثلاث الأولى, أي ما حصل فيها قتل, أو سرقة, أو هما معا, وما عداها حرابة تعزيرية, ويعطى المشرع خيار في العقوبات بين القتل والحبس, والضرب غير المقيد بالحد, لأن الضرب أجيز هنا باعتباره جنس إيذاء, وجنسه القتل, وإذا كان الحد قمته, فما دون القطع, أو القتل أقل من الحد, وهذه العقوبات وردت في مصادر الفقه الحنفي كعقوبات للتعزير, ولم يحدد الضرب, ولا الحبس بل وردا مطلقين, ووردا فيما ليس من جنس الحدود الأخرى كالزنا [1] ,ونحن لسنا ضد استخدام لفظ التعزير, وإنما ضد استخدام لفظ التعزير كتقسيم مقابل للحد جملة, ومقيدا بالحد, لأثره على أسس التجريم, ومقاصده.
إن رأي المالكية أكثر وضوحا في إذابة الفوارق بين التعزير والحد من حيث المقابلة, فقد أخذنا نماذج من مصادر الفقه المالكي تمثل مراحل زمنية مختلفة, منها كتاب مدونة الإمام مالك, والمقدمات لابن رشد, وهو من علماء القرن السادس للهجري, ومواهب الجليل للحطاب, وهو من علماء القرن العاشر, وحاشية الدسوقي, وهو من علماء القرن الثالث عشر, فإن هذه المصادر تمثل فقهاء المذهب في مراحل زمنية مختلفة, فهذه المصادر لم تتضمن بابا, ولا فصلا, ولا فقرة في التعزير, بل إن بعضها لم يرد فيه لفظ التعزير أصلا, وإن ورد فيها ما دل عليه, وبشكل عرضي [2] , ونحن لا نتكلم عن وجود اللفظ من عدمه, وإنما المراد أن يكون قسما مقابلا للحد, له خصوصياته التي تميزه عن الحد, من حيث المقصد, وصاحب الحق, وحدوده, وتقييد المشرع في تحقيق مقاصده من التجريم والعقاب, وحدود تطوير نظام التجريم والعقاب وفقا لمقتضيات العصر, ودون خلو من الصبغة الشرعية, هوية المسلم.
إن الفوارق بين الحد والتعزير كتقسيمين متقابلين للنظام الجنائي تذوب في الفقه المالكي, فإذا كان أهم الفروق بين التعزير والحد هو التقدير, وسلطة ولي الأمر, فإن الخيارات في الحرابة وسلطة ولي الأمر أوسع منها في التعزير, ولم يقل أحد أن فقهاء المالكية أخرجوا الحرابة جملة من الحدود, والخيارات في الحرابة غير محددة بصورة ,أو مقتصرة على حالات, بل هي عامة, وعقوبات الحرابة واسعة بحيث تشمل جل العقوبات الواردة في النظام العقابي الإسلامي [3] .
إن المالكية أكثر من توسع في حد الحرابة, سواء كان في جانب التجريم, أو العقاب, ولم يرد التعزير عندهم كباب أو فصل يدخل تحته الجرائم غير الحدية, بل ما ذكروه من جرائم غير حدية, أو حدية تضمن معنى زائدا في باب الحرابة, من ذلك مثلا, سقي السكر, وقتل الغيلة, وأخذ المكوس, واغتصاب حقوق الناس بأمر السلطان، والزنا إذا اقترن بإكراه, أي الاعتداء على
(1) - الكاساني, بدائع الصنائع,7/ 94.
(2) - انظر ص من هذا ... البحث
(3) - ابن رشد المقدمات, 3/ 230 وما بعدها. الحطاب, مواهب الجليل 6/ 315 وما بعدها. الدسوقي, حاشية الدسوقي 4/ 349 وما بعدها.