الصفحة 15 من 26

معنى زائدا على ما في الحد, ولهذا اقتصر الكاساني في أمثلته على الجرائم الحدية التي لم تتوافر فيها شروط الحد, وصرح بأنه هو الذي يجب ألا يتجاوز فيه الحد, أما التعزير الذي ليس من جنس الحد فاكتفى بتحديد جنس العقوبة, وهي الحبس والضرب, دون تحديد قدرها, ولا أدل على هذا من تعدد وجوه التعزير, كما أن التناسب يقضي بأن يكون التعزير في هذه الصورة أقل من الحد, وهذا ما أظهرته عبارة الكاساني صراحة, ودلت عليه عبارة ابن عابدين, والتناقض ظاهر في أخذ العبارات السابقة على ظاهرها, مما يقتضي ضرورة التوجيه, ولا يمكن التوجيه إلا بحمل الاختلاف على اختلاف جهات الاعتبار.

تدل نصوص الفقه الحنفي بشأن التجريم والعقاب على ارتباط التعزير بالحد, وعدم خروجه عن معناه, ومن وجوه متعددة, أهمها:

1 -التبويب:

تناول جمهور الأحناف التعزير ضمن كتاب الحدود, وذكر تحت هذا الكتاب تفصيلا حدي الزنا والقذف, وإن أشارت مصادر الفقه الحنفي عند البداية لشمول الحد للحدود الخمسة, وذكر التعزير ضمن كتاب الحدود, أي جزئية من جزئياته, ثم ذكر بعد التعزير كتاب السرقة, وكتاب قطاع الطريق [1] , فلماذا ذكر فصل أو باب تحت كتاب الحدود, ولماذا كان فاصلا بين حدود الزنا والقذف, والشرب, وكتاب السرقة, وكتاب قطاع الطريق.

لا أعتقد أن هذا لا معنى له, خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن مصادر الفقه الحنفي جلها إن لم نقل كلها اتفقت على هذا التبويب, وفي فترات زمنية متعاقبة, ولماذا هذا في الجنائي فقط, أي الحدود والتعازير, ولم يحصل في بقية أبواب الفقه, حيث جمعت التقسيمات الموضوع الواحد, وجمعت بين الوضوعات المختلفة, ولا معنى لهذا إلا أنه ضمن باب الحدود, وأما الاختلاف من حيث التقدير فيمكن حمله على أن الحد هو الحد الأعلى للعقوبة, وترك الحد الأدنى للمشرع أو القاضي, خاصة وأن دور المشرع أو القاضي في تحديد الحد من الجانب التجريمي أوسع منه في العقوبة, ولهذا اختلف الفقهاء حتى في المذهب الواحد في الحدود من الجانب التجريمي, والحدود سميت بهذا الاسم بالنظر للعقوبة لا الجريمة, فمثلا حدد الحد الأعلى للعقوبة, وهذه العقوبة ليست لجنس الزنا باتفاق, وللمشرع تحديد قمة الجريمة بحيث يقابل أعلى حد العقوبة, وأما ما نزل عن هذا الحد فترك للمشرع حرية تحديد العقوبة والجريمة, وهذا ربط للتعزير بالحد.

2 -انتقال نفس الفعل من الحد إلى التعزير:

(1) - الكاساني, بدائع الصنائع, 7/ 49 وما بعدها, 94 وما بعدها, فهرس الجزء السابع. ابن عابدين , حاشية ابن عابدين, 4/ 227 وما بعدها, فهرس موضوعات الجزء الرابع, ولم تختلف مصادر الفقه الحنفي في هذا التبويب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت