الصفحة 16 من 26

إذا كان الحد قسم مقابل للتعزير, ويختلف فيه صاحب الحق لما جاز انتقال الفعل الواحد من الحد إلى التعزير بالتكرار, قد تشدد العقوبة, ولكن يحتفظ بصفته, ومع ذلك انتقلت السرقة والشرب إذا تكررا إلى تعزير بالقتل, فالسرقة حدية, وهي حق لله, والشرب حدي وهو حق لله, والتعزير وفق النظرة السائدة حق للعبد, فكيف يتغير صاحب الحق بتكرر الفعل, وقد ذهب جمهور الأحناف إلى قتل السارق إذا تكرر منه فعل السرقة, وكذلك شرب الخمر [1] , فالتكرار وإن اقتضى تشديد العقوبة إلا أنه لا يقتضي تغير صاحب الحق.

3 -اجتماع صاحب الحق والمقصد:

إن الفكرة السائدة أن الحد حق لله, خالصا كان, أو على التغليب, وأن التعزير حق العبد, على الخلوص كان أو على التغليب, وحق العبد يراد به ولي الأمر, لا الحق الخاص, لأن الحق الخاص مدني كالتعويض, وهذا في ظاهره يمنع دور العبد في الحدود, ولو كان ولي الأمر باعتبار توليه المصلحة العامة.

إن هذه قراءة لرأي الأحناف, ولا أعتقد أن هذا رأي الأحناف حقيقة, لأن ما قرره الأحناف من أحكام وقواعد ينقض هذا الرأي, وهذا دليل على أنه قراءة لرأي الأحناف لا رأي الأحناف نفسه, لأنه لو كان رأي الأحناف لما نقض, من ذلك مثلا ما ذكره الكاساني, (ولنا أن سائر الحدود إنما كانت حدود الله على الخلوص لأنها وجبت لمصالح العامة, وهي دفع فساد يرجع إليهم, ويقع حصول الصيانة لهم ... وكل جناية يرجع فسادها للعامة, ومنفعة جزئها يعود للعامة كان الجزاء الواجب بها حق لله عز وجل على الخلوص .... وهذا معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله تعالى) [2] .

إذا كان هذا من أهم الفروق بين الحد والتعزير, وهذا معنى حق الله تعالى فإن دخول التعزير في حق الله تعالى أمكن من بعض الحدود, فتولي ولي الأمر للتعزير لا معنى له إلا توليه صيانة المصلحة العامة, وحمايتها, كما أن تعلق بعض الحدود بحق العبد في بعض الحدود أكثر منه في التعزير, فمثلا ما معنى سقوط حد السرقة بتمليك المال المسروق, فالتمليك هو تنازل, والحد هنا متوقف على التنازل في أي مرحلة, فدور الفرد ظاهر في تطبيق حد السرقة, إن لم نقل يتوقف عليه, إضافة إلى طبيعة التعزير, فمثلا ما الفرق فيما يتعلق بصاحب الحق بين التعزير في زنا المرأة إذا لم يحد الرجل لأي سبب كان, كصغر السن, وبين زنا المرأة بالرجل إذا كان يحد, إذا كان أساس الحد التحريم, والاعتداء على حقوق الله, فهو في الجريمتين واحد, وإذا كان أساس تحديد صاحب الحق هو الأمراض, والاعتداء على الأنساب فهو واحد في الجريمتين.

هذا فيما يتعلق بصاحب الحق, ولا يختلف الأمر في وظيفة العقوبة, وهو الزجر أو التطهير, وأثره على تحديد صاحب الحق, فإذا قلنا أن وظيفة العقوبة الحدية الزجر, فالتعزير لا يخلو منها,

(1) - ابن عابدين, حاشية ابن عابدين 4/ 227.

(2) - الكاساني, بدائع الصنائع 7/ 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت