وإن قلنا الزجر فيه معنى الجبر أيضا التعزير لا يخلو منها, بل إن في بعض التعازير أمكن, فمثلا التعزير في زنا المرأة بالمجنون فيه معنى الزجر والتطهير أكثر من السرقة, والدليل على ذلك أن السرقة للفرد دور في تطبيق الحد, إن لم نقل تتوقف عليه, فبتنازله يسقط الحد, وهذا إضعاف لمعنى الزجر والتطهير في الحد, بخلاف التعزير على من نكح مرأة محرمة عليه وهو يعلم التحريم, فلا دور للفرد في التعزير, وشمول التعزير لمعنى الجبر صرحت به عبارات المذهب, منها مثلا ما ذكره ابن عابدين في تبرير اعتبار التعزير في جانب الكافر عقوبة بقوله: (والتعزير يسمى عقوبة للذمي لأنه شرع للتطهير) [1] , ويقول في تضمن التعزير معنى الزجر: (التعزير مفوض للقاضي لأن المقصود منه الزجر) [2] ,أي أن التعزير يشترك مع الحد في الزجر والجبر, والعبارات السابقة صريحة في تقرير هذا المعنى للتعزير, أما تمكن أحد الوظيفتين فهو يختلف حتى في الحدود ذاتها.
إذا كان التعزير يشترك مع الحد في وظيفة العقوبة, وفي صاحب الحق, فما هي عناصر التقسيم, وأسسه, أي ما الفرق بين الحد والتعزير؟.
لم يبق إلا أحد أمرين, من الأمور التي اعتمد عليها من قال بتقسيم الجرائم إلى حد وتعزير, أحدهما التحديد, وثانيهما الإلزام.
إن كل ما نذكره في هذه الفقرة وفقا لرأي الأحناف, وعبارات الأحناف وإن ورد فيها ما يدل على التخيير, إلا أن هناك عبارات تنقض القول بالتخيير, نصا, ودلالة, يقول الكاساني في قدر التعزير: (فإنه إن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد .... فالإمام فيه بالخيار إن شاء عزره بالضرب, وإن شاء بالحبس) [3] , فخيار الإمام في تحديد نوع العقوبة, لا في إلزام العقاب, إضافة إلى أنه استخدم لفظ الإيجاب, وهو لا يكون إلا إذا كان هناك إلزام, وابن عابدين استخدم لفظ يقتل في عقوبة العوان, واللواط, ومن تكرر منه الخنق, ولفظ بجواز القتل تعزيرا في مسائل مماثلة, كما أن كون التعزير للتطهير أو للزجر يمنع فيه الخيار المطلق, والجمع بين هذه النصوص, فإنه قد يجب, وقد يخير, وتحمل كل عبارة من عبارات فقهاء الأحناف التي ينقض بعضها بعضا على مرحلة معينة من مراحل التعزير, أي إذا كان الجرم يكفي فيه اللوم, أو الأولى الستر تحقيقا لفائدة هي أولى فالخيار في العقاب من عدمه, أما فيما عداه فالخيار في تقدير العقوبة لا العقوبة, كما أن الخيار بهذا المعنى لا تخلو منه الحدود, فمثلا في السرقة الخيار للفرد الذي وقعت عليه السرقة, فإن شاء عقابه لم يملكه المال, وإلا تنازل عن ماله, وملكه
(1) - ابن عابدين, حاشية ابن عابدين 4/ 227.
(2) - المرجع السابق 230.
(3) - الكاساني, بدائع الصنائع 7/ 94.