للسارق, وبهذا تقترب الحدود مع التعازير فيما يتعلق بالإلزام, ولا يصلح الخيار كأساس للتفرقة بين الحدود والتعازير, فهل يصلح التقدير كأسا للتفرقة بين الحدود والتعازير؟.
إن التقدير لا يصلح سببا للفصل بين الحد والتعزير, وفقا لرأي الأحناف لأحد أمرين, أن جنس الحدود لم يخل من عدم التقدير عند الأحناف, والمثال على هذا الحرابة, فالحرابة وإن كانت العقوبات الواردة ليست للخيار من حيث المبدأ, وأن كل عقوبة مقابلة لصورة من صور الحرابة, إلا أن جمهور الأحناف اتفقوا على تضمن العقوبة الرابعة للخيار بين حدين, وإن اختلفوا في هذين الحدين, وأن الفارق بين حدها الأعلى والأدنى كبير, فهي تدور بين شهر, وسنوات تتجاوز العشر سنوات, وهذه مساحة واسعة أعطيت للمشرع, أي ولي الأمر في تقدير العقوبة, ولم يقل أحد من فقهاء الأحناف أن العقوبة الرابعة للحرابة تعزير [1] , فلماذا كان عدم التقدير في التعزير من جنس الحد مبررا لإخراجه عن جسمه, ولم يكن مبررا لإخراج عدم التقدير في الحرابة, أي أن الحبس في الحرابة يمثل الجانب التعزيري لحد الحرابة, وعدم التقدير لم يخرجه من كونه حد.
إن التقدير والخيار في العقوبة لا يصلحان أساسا للفصل بين الحد والتعزير, و جعل التعزير تقسيم خاص للجرائم مقابل الحد, خاصة وأن بين الحدود فوارق أكبر من الفوارق بين التعزير والحد الذي من جنسه فيما يتعلق بأساس التفرقة, وهو الإلزام, أو الخيار, ولو لم يكن هناك مثال واحد إلا السرقة والزنا فيما يتعلق بدور العبد, والحرابة وغيرها من الحدود فيما يتعلق بالخيار, ووظيفة العقوبة لكفى.
يظهر من خلال ما سبق أن الأحنف لم يفصلوا الحد عن التعزير كتقسيم للتجريم والعقاب, ولكن نسب إليهم, ونقدر هذا الفهم, ولا نؤيده.
إذا ترددنا في قبول تقسيم الجرائم إلى حد وتعزير تقسيم تقابلي, فما هي العلاقة بينهما, وما هي أقسام الجرائم وفقا لأراء الفقه الحنفي؟.
من خلال العبارات السابقة, والأسس السابقة, وما تتضمنه من أحكام تدل على أن التعزير لا يخرج عن أحد أمرين, أولهما: أن يكون صورة لجريمة متكاملة, والحد هو قمة الجريمة, جرما, وعقوبة, والمشرع مقيد بالحد الأعلى من الجانب العقابي, أما الجانب التجريمي فللمشرع دور في تحديده, وبالتالي فإن التعزير يرجع إلى جنسه من الحد, وله كل خصوصيات الحد, من تحديد صاحب الحق, ودور الفرد, والقاعدة العامة في التجريم هي الحرابة, وعليه فإن ما كان من جنس الحدود المذكورة يرجع إليه, وما خرج منه يدخل في باب الحرابة, وثانيهما: أن يدخل التعزير في جميع صوره من باب الحرابة, فالوصف التجريمي للحرابة من حيث اللفظ يستوعب كل الجرائم, لأن الجرائم لا تخرج عن معنى الفساد في الأرض, والعقوبات التي ذكرت في التعزير لا تخرج
(1) - الكاساني, بدائع الصنائع, 7/ 135 وما بعدها, ابن الهمام, شرح فتح القدير, 4/ 208 - 209, 268 وما بعدها. ابن عابدين, حاشية ابن عابدينو 4/ 165 وما بعدها, 231 وما بعدها, 258 وما بعدها, 287 وما بعدها,