بسم الله الرحمن الرحيم
إن الوصف الشرعي لجرائم الإنترنت يتنازعه من حيث الجنس حدان, هما حد الزنا, وحد القذف, وذلك وفقا للقراءة السائدة للفقه الإسلامي, فهما يمثلان المحافظة على الأعراض, والنسل, ودور المشرع أو القاضي في تحديد العقوبة معدوم فيما يتعلق بالحد, وأما في تحديد الجريمة فدوره أوسع من دوره في العقوبة, وإن كان ضييقا, وأما ما كان من جنس الحد ولا يصل إلى مرحلة الحد فدور المشرع في العقوبة أوسع, ولكن فيما دون الحد, أي التعزير, فالحد قيد على المشرع فيما يتعلق بالعقوبة في الحالتين, وإن اختلفت درجته, وهذا وفقا لتقسيم الجرائم إلى حد وتعزير, وتقسيم نظام التجريم والعقاب في الفقه الإسلامي إلى حد وتعزير يكاد يكون من المسلمات, ومن قال بغيره يتهم بمخالفته لجمهور الفقهاء, إلا أن إمعان النظر في تطبيقات الفقهاء, وعباراتهم يظهر تناقضا مع هذا التقسيم للجرائم في الفقه الإسلامي, وهذا التناقض لا يمكن توجيهه إلا من خلال النظر إلى أراء الفقهاء وأحكامهم وفق منهجية اعتمدتها نصوص القرآن والسنة النبوية, وقلدها فقهاء المذاهب, والنظر إلى ما نقل عن فقهاء المذاهب على أنه تقييم لأرائهم, ولا يمثل أرائهم, وهذا يدفعنا لقراءة الفقه الإسلامي بشكل مختلف, أي لا نقتصر على الأراء أو العبارات مجردة, بل ننظر إليها في إطار مهج معين يدل يعتمد ربط الأحكام, والأراء بمقاصدها, وافتراض أفكار وراء العبارات, كما هو الحال في النصوص التي اعتمدها فقهاء المذاهب كمصدر لأحكامهم, وآرائهم, وحيث أن تطبيق أحكام الفقه الإسلامي على جرائم الإنترنت الأخلاقية وفق هذه السائدة, والمعتمدة على الآراء, أو ظاهر العبارات يثير إشكالية, وهي خرق قاعدة التناسب بين الجريمة والعقوبة في صور كثيرة من هذه الجرائم, فجرائم الإنترنت [1] كثيرا ما تؤدي إلى الانحلال الاجتماعي, وهدم البيوت, والاعتداء على الأعراض, والنسب, وكم من جرائم حصلت بسبب جرائم الإنترنت, وبالتالي فإن التقيد بحد الزنا, أي حد المحصن, أو القذف لا يحقق التناسب بين الجريمة والعقوبة, ولا يكون زاجرا, وهو مقصد العقوبة, وفي هذه الحالة يكون المشرع في الدول الإسلامية, والحريص على أسلمت التشريعات أمام أحد خيارين, أحدهما تجاهل أسلمة التشريعات, وثانيهما خرق قاعدة التناسب, وإهدار مقاصد, ومعني التجريم, والعقاب, فهل من مخرج يجمع بين الإثنين, هذا هو ثمرة هذا البحث, والغرض منه, وهذا يقتضي أولا كيف تثير القراءة السائدة لأراء الفقهاء هذه الإشكالية, ومناقشتها, وهل في إعادة قراءة آراء الفقهاء علاج لهذه الإشكالية, أي هل دراسة آراء الفقهاء وفق منهجية النصوص تطوير لآراء الفقه الإسلامي, وحل لما يثيره نظام التجريم والعقاب في الفقه الإسلامي من إشكاليات, والتي تعد مسألة البحث
(1) - كلما ورد لفظ جرائم الإنترنت في هذا البحث يراد بها الجرائم الأخلاقية عن طريق الإنترنت.