وبالتالي فإن القول بأن هذا تقسيم للجرائم في الفقه الإسلامي, وباتفاق نتردد في قبوله, وأساسه الخلط بين فهم أراء الفقهاء, والآراء نفسها, قد ينسب من حيث الظاهر لمذهب من المذاهب, أو لفقيه, وفي هذا أيضا نظر, أما أن نجعله من مسلمات الفقه الإسلامي في الجانب الجنائي, ونقرر الاتفاق عليه فالأمر فيه ما يقال, ونقدم الأساس الذي ننطلق منه لقراءة أراء الفقهاء في تحديد الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت.
إن نصوص القرآن والسنة لم تكن ألفاظها وما تحمله من دلالات هي مصدر أحكام فقهاء المدارس الفقهية فقط, بل منهجية القرآن والسنة كانت مصدرا لمنهجية الفقهاء في التنظير, فالنصوص تحمل أسسا, ومبادئ, ومقاصد, ومعاني, ولا ينظر للنصوص إلا من خلال كم متكامل, فلا ينظر للنص ذاته المتعلق بالواقعة مباشرة فقط, بل علاقته بغيره من النصوص, وفق أسس ومبادئ ترسخها النصوص جملة, فلا يمكن الرجوع إلى النص مباشرة عند العمل, ومعرفة حكم الحوادث, وقد دل على هذا نصوص القرآن والسنة, وآراء العلماء وتطبيقاتهم, قديما وحديثا [1] , فموقف القرآن أو السنة من واقعة معينة أو ترسيخ مبدأ معين ليس النص ذاته فقط, بل هو دلالة النص, فالفقهاء اتبعوا هذا المنهج, وبالتالي نتعامل مع آراء الفقهاء وعباراتهم على هذا الأساس, وخير دليل على هذا وجود عبارات متعارضة في الموضوع الواحد تعارضا لا يمكن قبوله في حق من لم يصل درجة تلميذ نشأ في مدارسهم فكيف في حقهم, وتعارض العبارات الفقهية لا يعد عيبا, إن أمكن توجيهه, فهو لم يعد كذلك في مصدر أحكامهم من نصوص القرآن والسنة, فكيف في حقهم, والعرض السابق تضمن نماذج من عبارات الفقهاء عند حملها على ظاهرها, أو النظر لكل مسألة منفصلة, أو الرجوع إلى النصوص الفقهية مباشرة, منها على سبيل المثال عبارة ابن عابدين في تعريف التعزير) تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطا) [2] , وذكر مطلبا في باب التعزير وسمه ب (مطلب التعزير بالقتل) [3] .
إن هذا التناقض بين العبارات في الموضوع الواحد لفقهاء المذهب الواحد, وأحيانا للفقيه الواحد لا يختص بمذهب أو فقيه بل هو عام, هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن عبارات الفقهاء وآرائهم كالنصوص, فكما أن النص هو مصدر الحكم, فكذلك عبارات الفقهاء لتقرير حكم المسألة عند مذهب فقهي, أو فقيه ينظر إليها من خلال ما تدل عليه, قد تكون هناك عبارات صريحة في دلالتها, ولا تحتمل تأويلا, أو مقارنة بغيرها من النصوص الفقهية لمعرفة ما تحمله من دلالات, لكن هذا ليس مطلقا, وهذه المنهجية مصدرها نصوص القرآن والسنة, فكما أن بعض النصوص
(1) للباحث بحث بعنوان (التدين بين النص والحكم- من أعمال مؤتمر التدين بين الإفراط والتفريط- تقيمه الهيئة العامة للأةقاف - طرابلس ليبيا.
(2) ابن عابديت, حاسية ابن عابدين 4/ 227.
(3) المرجع السابق 4/ 231.