الصفحة 9 من 26

اختلفت درجته, فإن حد الحرابة أساسا يقوم على خيار الأمر في العقوبة, ولا ينقض ذلك بضيق الخيارات, لأن الخيارات التي ذكرت واسعة, وتقابل أعلى عقوبة, وأدناها من حيث الشدة, أي أن الخيار لا يعد فارقا بين الحد والتعزير, والمقصد لا يختلف, فإذا كان حد الزنا مثلا للزجر فيه معنى التطير, أي الجبر, فإن عقوبة ما دون الحد لا تخلو من هذا المعنى, وخير دليل على هذا جبرها بالاستغفار والصلاة.

إذا كان تحديد الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت وفقا لأراء الفقه المالكي, من خلال التعريف والتقسيم السائد من الصعب تحديدها عليه نعود لعبارات المذهب, وما تحمله من معاني ومقاصد, ودلالاتها, وهذا موضوع المبحث الثاني من هذا البحث.

يتضح من خلال ماسبق أن تقسيم الجرائم إلى حد وتعزير, وأن هذا تقسيم تقابلي, هو تقييم أراء الفقهاء, لا أراء الفقهاء نفسها, فلم نجد التقسيم التقابلي بشكل صريح إلا في مصادر الفقه الحديثة, أي هو قراءة لأراء الفقهاء, ونكاد نجد إجماعا من علماء العصر على هذا التقييم لأراء الفقهاء, ولم يتعرض فقهاء العصر للخيار في الحرابة عند التقسيم, وأسسه مع أنه ظاهر, فمثلا يقول أبو زهرة في التفرقة بين الحد والتعزير, فعرف الحد بأنه (العقوبة المقدرة كان الحق فيها لله خالصا, أو حق الله غالب) [1] وعرف التعزير بأنه (العقوبة التي لم يرد نص الشارع ببيان مقدارها, وترك تقديرها لولي الأمر) [2] أي جعل التقدير هو أساس التفرقة, ولا أدري هل القتل يعد مقدرا في وجهة نظره أم لا, فإذا كان عقوبة مقدرة فما حكم القتل سياسة, والذي يعد من باب التعزير, والذي ذكر فيه الأحناف القتل, وأبرزت عباراتهم صيغة الإيجاب في بعض الحالات, وأما بقية المذاهب فلا يختلف الحد والتعزير فيها من حيث الإلزام, والقتل وجد في التعزير والحد, فإما أن يكون تقديرا في الاثنين, أو عدم تقدير في الاثنين, وفي الحالتين إذابة ما عد فارقا بين الحد والتعزير, ولم يختلف عنه بهنسي في الموسوعة الجنائية [3] , والزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته, والذي يعد من أهم مصادر الفقه الإسلامي الحديث [4] , وهذا اتفقت عليه المصادر الحديثة التي تناولت أراء الفقهاء في تقسيم الجرائم, وذكرت هؤلاء العلماء كنماذج, وأعتقد أن سبب هذا هو إهمال الجانب المنهجي لأراء الفقهاء, أي الاقتصار على ظاهر الآراء, دون النظر إليها في إطار منهجي معين, والذي يخفي وراء هذه الآراء أفكارا, تعتمد جملة أمور, ولا تقتصر على الألفاظ, أو العبارات.

(1) ا أبو زهرة - محمد أبو زهرة - الجريمة والعقوبة- القاهرة - دار الفكر- ب ط سنة 2006 م ص 70.

(2) - المرجع السابق ص 79.

(3) - بهنسي- أحمد فتحي بهنسي- الموسوعة الجنائية في الفقه الإسلامي- بيروت- دار النهضة العربية- ب ط سنة 1991 م 1/ 334 وما بعدها, 2/ 212 وما بعدها.

(4) -- الزحيلي- د/وهبة الزحيلي- الفقه الإسلامي وأدلته-دمشق- دار الفكر ط العاشرة سنة 2007 م 7/ 5274 وما بعدها,5282 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت