الصفحة 6 من 26

المبحث الأول

إشكالية الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت, وسببها

لم يتفق فقهاء المذاهب في طريقة عرضهم وتنظيمهم للجرائم, وتقسيماتها, خاصة فيما يتعلق بالحدود والتعازير, وذلك لعدم وضوح فكرة أقسام الجرائم, والعلاقة بين التقسيم الشائع, ولهذا نحاول في هذا المبحث تحديد الوصف حسب الفهم السائد لأقسام الجرائم, أي حد, و تعزير, ونركز على المذاهب السنية الأربعة, مع الإشارة إلى غيرها من أهل الظاهر, أو الشيعة, وذلك لأنها السائدة في المغرب العربي, وأن ما عداها يعود إليها في مجال البحث.

أولا: الوصف التجريمي وإشكاليته وفق رأي الأحناف:

إن الجرائم وفق ظاهر رأي الأحناف إما حد, أو تعزير, والحدود أجناس, والتعزير دون الحد, واختلف الأحناف في قدر التعزيز فيما دون الحد, أي هل أقل حد, أم حد جنسه, والقدر المتفق عليه أنه لا يجاوز حد جنسه, وتناوله الأحناف في حدود حد الزنا أو القذف, وحد الزنا يراد به حد غير المحصن, ثم عادوا بعد ذلك, وأجازوا أن يصل التعزير إلى القتل, ولكن ليس من خلال تعريف التعزير, أو عند الحديث عن قدره, وإنما في مطلب خاص, أو عند التطبيق, وانحصرت الأمثلة التي ذكرها الأحناف في هذا المطلب على الجرائم غير الحدية, غير جرائم التعزير التي تدخل في جنس الحد [1] .

إذا التزمنا بالتعريف فإن التعزير لا يتجاوز الحد, والقدر المتفق عليه هو حد الزنا, أي مائة جلدة, أما إذا رجعنا إلى التطبيقات, والعبارات, فإن التعزير الذي يتقيد بالحد هو التعزير من جنس الحد, صورة ومعنى, أي صورة الحد ومعناه إذا اختل فيه شرط من شروط الحد, وهذا منطقي تفرضه طبيعة العقوبة, وغايتها, لأنه لا يمكن أن تكون عقوبة الأقل من الجانب التجريمي أشد من الأخطر.

إن جرائم الإنترنت لا تخرج عن أحد احتمالين, إما القذف, وذلك إذا تضمنت الإخبار عن الزنا, دون توفر شروطه, أو الاتهام بنفي النسب, أو التعزير, وتعد من باب التعزير المقيد بالحد, ويقيد هذا التعزير إما حد الزنا, أو حد القذف, وحد الزنا هو حد زنا غير المحصن.

إن هذا الوصف لجرائم الإنترنت, وقيوده من حيث قدر العقوبة إخلال بمقصد العقوبة, وهو الزجر, وإن تضمن التطهير, و يخل بمبدأ التناسب لأن من أهم عناصر التناسب التفريد العقابي, والتفريد العقابي خرقه قيد الحد, ولو تركنا الشكل, والتعريف واعتبرنا المقصد والتطبيقات نصطدم بالشكل, فمراعاة الشكل إخلال بالمقصد, ومراعاة المقصد إخلال بالشكل, ولهذا كان لا بد من

(1) - الكاساني - علاء الدين أبوبكر بن محمد - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - مصر - مطبعة الجمالية - ط الأولى 1910 م 7/ 49,94 وما بعدها. ابن عابدين - محمد أمين - حاشية رد المحتار على الدر المختار - بيروت - دار الفكر - طبعة جديدة ب ت- 4/ 227 وما بعدهاو 230 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت