دلالاتها ظاهرة وصريحة, ولا يكفي النص ذاته لمعرفة الحكم, إلا أن هذا لا يسري على كل النصوص, وإذا قبلنا هذا في النصوص, وأدركنا بعض مقاصده, فلا موجب لعده قصورا في حق أراء الفقهاء الذين تتلمذوا في مدرسة هذه النصوص, والحكمة التي من أجلها رسخت نصوص القرآن والسنة هذا المسلك, قلدها الفقهاء, فكما أن أراء الفقهاء وأحكامهم ليست النصوص, وإنما هي فهم النصوص, فكذلك الأمر بالنسبة للنصوص الفقهية, فما ذكره البحاث عن أراء فقهاء المدارس ما هو إلا فهمهم للنصوص الفقهية, وكما أن الحكم ليس النص ذاته, فكذلك أراء الفقهاء في المسألة ليس النص الفقهي ذاته, بل ما يدل عليه النص, وهذا يقتضي ربط النصوص الفقهية بمقاصدها, وبما تتأثر به من ظروف, وأماكن, وزمان, وربطها من خلال غيرها من النصوص الفقهية, وهذا يدفعنا لعدم التسليم بكل ما نقل عن فقهاء المذاهب, والدعوة لإعادة قراءة أراء الفقهاء, وهذا الخلط حصل الآن في نصوص القرآن والسنة, وهو سبب التفرق بسبب التدين, وقد ناقشت هذه المسألة في بحث منفصل أحيل القاري إليه. [1]
نضرب مثالا من نصوص السنة النبوية, يبرز لنا المنهجية التي أراد الرسول صلى الله عليه وسلم رسمها لأصحابه, والتي قلدها فقهاء المذاهب, كما أن هذا المثال يبرز علاقة الحدود بعضها ببعض, وعلاقتها بالتعزير إن وجد ولو من طرف خفي.
-عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد, فناداه, فقال يارسول الله إني زنيت , فأعرض عنه, فتنحى تلقاء وجهه, فقال له يارسول الله إني زنيت, فتنحى عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات, فلما شهد على نفسه أربع شهادات, دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال أبك جنون؟ , قال لا, قال فهل أحصنت قال نعم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه, قال ابن شهاب وأخبرني من سمع جابر بن عبدالله يقول فكنت فيمن رجمت, فرجمناه بالمصلى, فلما أذلقته الحجارة هرب, فأدركناه بالحرة, فرجمناه.) [2] , وفي رواية فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال (هلا تركتموه,) [3] .
-عن أبي هريرة. وزيد بن خالد الجهمي رضي الله عنهما, أنهما قالا):إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله, فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله, وأذن لي, فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قل, ,قال: إن ابني كان عسيفا على هذا, فزنى بامرأته, وإني أخبرت أن على ابني هذا الرجم, فافتديت منه بمائة شاة, ووليدة, فسألت أهل العلم, فأخبروني أنما على ابني جلد مائة,
(1) - الباحث, التدين بين النص والحكم.
(2) - اللفظ لمسلم- النووي - محي الدين أبي زكريا يحي بن شرف النووي- المجموع في شرح المهذب- بيروت - لبنان - دار الفكر- بط - ب ت كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا 6/ 189.
(3) - ناصف- الشيخ منصور علي ناصف- التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول - استانبول- مكتبة باموق- ط الثالثة سنة 1962 م كتاب الحدود - باب حد الزنا 3/ 25.