وتغريب عام, وأن على امرأة هذا الرجم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله, الوليدة والغنم رد, وعلى ابنك جلد مائة, وتغريب علم, واغد ياأنيس إلى امرأة هذا ,فإن اعترفت فارجمها, قال فغدا لها, فاعترفت, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت) [1] .
-نقل ابن القيم عن الإمام أحمد واقعة حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه (خرجت امرأة تريد الصلاة, فتجللها رجل ,فقضى حاجته منها, فصاحت, ومر عليها غيره, فأخذوه, فظنت أنه هو, وقالت هذا الذي فعل بي, فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم, فأمر برجمه, فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال: أنا صاحبها, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبي فقد غفر الله لك, وقال للرجل قولا حسنا, فقالوا: ألا يرجم صاحبها, فقال: لا, فقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبلت منهم, ذكره أحمد, وأهل السنن, ولا حكم أحسن من هذا) [2] .
لو نظرنا لظاهر النصوص الثلاثة لوجدنا تناقضا في تقرير حكم الاعتراف, وأثر الرجوع عنه, ففي النص الأول, كان هناك حرص من الرسول صلى الله عليه وسلم على تلقينه الرجوع, كما أن الرجوع ولو أثناء التنفيذ يمحوا العقوبة, وهذه دلالة ظاهرة, واعترافه توبة, وكانت هذه التوبة قبل القدرة عليه, لأنه لم يعلم به أحد حتى جاء واعترف, وفي الواقعة الثانية رتب الرسول صلى الله عليه وسلم الحد على مجرد الاعتراف, ولم يرد أن المرأة لقنت الرجوع, ولا أن هناك بينة أخرى كالحمل, يمكن القول أن الحد ترتب عليها, ومادامت اعترفت فهي توبة في الغالب, خاصة بعد علمها الحد, وخطورته, ومع ذلك لم يدرأ عنها الحد, وفي الثالثة اعتراف, وترتب عليه درء الحد بالتوبة قبل القدرة, فإن ظاهر النصوص يبرز تعارضا فيها, إلا أن الحكم ليس في ظاهر النصوص فقط, وإنما في دلالتها, وفق المقاصد, والقواعد العامة, ولا يمكن توجيه هذا التعارض إلا بالعودة للمعاني والمقاصد, وعلاقة الحدود بعضها ببعض, وربط النصوص جملة, وقد يكون للمسألة أكثر من وجه, أو نظر لها باعتبارات مختلفة.
إن مناقشة ما تحمله هذه النصوص من معاني قد لا يكفيها بحث خاص, والمهم في هذا البحث بيان ما ترسخه النصوص من منهجية رسمها الرسول لأصحابه, وقلدها فقهاء المذاهب, فالاختلاف بين عبارات الفقهاء التي سبق عرضها يؤصله, ويوضحه هذه النصوص الثلاث, وما في معناها, فما هو إلا انعكاس للتعارض بين هذه النصوص الظاهري, وما تحمله من منهجية, ونتعامل مع النصوص الفقهية كتعامل الفقهاء مع هذه النصوص, وما في معناها, فبعض علماء الحديث روي هذه النصوص الثلاثة, وبعضهم روى منها نصين, والتعارض ثابت حتى بين
(1) - اللفظ لمسلم, النووي, صحيح مسلم بشرح النووي, كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى 6/ 194.
(2) - ابن القيم - أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الزرعي- إعلام الموقعين - القاهرة - دار الحديث ب ط - ب ت 4/ 307 - 308 ..