عن عقوبات الحرابة الواردة في النص, نصا, أو دلالة, فالحبس والقتل وردت في الحرابة نصا, وأما الضرب فيمكن تخريجه بأحد وجهين, الوجه الأول أن النص على القتل والقطع في الحرابة من باب النص على الجنس, أي جنس الأذي, وذكر أشد أنواع الأذي, وبالتالي فإن الضرب يدخل في معنى هذه العقوبات, وقد نص المالكية على ذلك صراحة, أو أن جميع الجرائم تدخل في معنى الحرابة, لأنها جميعا من باب الفساد في الأرض, وتطبيق حدود القذف والزنا من باب تخصيص العام, وبالتالي فإن الضرب يرجع إلى عقوبات الحرابة, وهناك إشارات من عبارات الفقه الحنفي تؤيد هذا الاستخلاص, منها ماذكره ابن عابدين من جرائم تحت مطلب التعزير بالقتل علل ذلك بأنها من باب الفساد في الأرض أي أطلق عليها وصف الحرابة, كما أنه ذكر بعض هذه الجرائم وعقوباتها عند الحديث عن بعض الحدود [1] , والكاساني عندما قسم التعزير إلى ما كان من جنس الحد, وما ليس من جنسه خير ولي الأمر بين عقوبتين, هما الحبس, والضرب فيما خرج عن جنس الحد, ولا يمكن الخيار إلا إذا كانا يعودان إلى جنس واحد, والحبس من عقوبات الحرابة قولا واحد عند الأحناف.
إن في هذه الأحكام دلالة على أن التعزير من باب الحرابة, وأن الزنا لا يخرج عن معناها, من حيث الأصل, لأن في ذكر نفس الجريمة وعقوبتها في باب الزنا, وفي باب التعزير في غير الحدود ووصفها في أحد الموضعين من باب الحرابة لا معنى له إلا ارتباط الوصفين, وأن ما خرج عن الحد يعود للحرابة كان من جنس الحد أو من غيره.
إذا كان التعزير لا يخرج عن معنى الحد جملة, وإن اختلفت بعض صوره, والأقرب أنه من باب الحرابة, فما هو الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت؟ ,وما أثر هذا التخريج؟.
إن القراءة السابقة لرأي الأحناف تقضي بأن التعزير إما أن يكون جزءا من جريمة واحدة, حدد المشرع حدها الأعلى, وهو الحد, وهنا يتقيد المشرع بالحد على أنه الحد الأعلى للعقوبة, أو أنه من باب الحرابة, وهنا لا يتقيد بالحد, بل تشمله خيارات الحرابة, وهي واسعة تستوعب كل العقوبات, وعليه فإن جرائم الإنترنت تعود في جل صورها للحرابة, إلا ما اقتصر منها على حد القذف, أو صورته التجريمية, والحالة الأخيرة المشرع مقيد فيها بحد القذف, إذا لم يتضمن الجريمة معنى آخر غير القذف, وإلا عادت للحرابة, وفي هذا التخريج تخليص المشرع من قيد الحد, والذي أخل بمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة, وفي الحرابة من اتساع العقوبات ما يمكنه من تحقيق التناسب, وتضمن الحرابة لمعنى التفريد العقابي في أوسع نطاق, والاعتماد على هذا التخريج تحقيق لشرعية أي عقوبة يراها المشرع, وتحقيق مقاصد العقوبة, خاصة الدنيوية, وهي الزجر, وإذا كان لابد من استخدام لفظ التعزير لأنه ورد ذكره فلماذا لا تكون الحرابة تنقسم إلى
(1) - ابن عابدين, حاشية ابن عابدين, 4/ 288, 293,