الصفحة 21 من 26

الفروج في باب الحرابة, ولهذا في باب الزنا نجد أن مصادر الفقه المالكي في الاقتصار على حكم من وقع عليه الحد في الزنا, أما الرجل إذا أكره المرأة فلم يتناولوا حكمه عند الحديث عن الزنا, وعدوه من الحرابة, هذا إذا وضعنا في الاعتبار ما نقل عن الإمام مالك من عدم التقيد بالحد في التعزير, فهو نتيجة منطقية لما سبق, وفي العقوبات الأمر لا يختلف, بل إنهم صرحوا بأن عقوبة الضرب والتي لم ترد في النص أنها من عقوبات الحرابة [1] , وهذا يعني شمول الحرابة لجميع العقوبات, وهذا يدخل كل جرائم التعزير عند غير المالكية في معنى الحرابة, فإذا كان حديث فقهاء المذاهب عن التعزير من خلال عقوبته, وأن العقوبة التي تخصه هي الضرب, فتصريح المالكية على أن الضرب من عقوبات الحرابة إدخال لجرائم التعزير في الحرابة, أي أن كل جرائم التعزير في المذاهب الأخرى هي من باب الحرابة عند المالكية, واعتبار المالكية عقوبة الضرب من باب الحرابة جاء بشكل صريح, مباشر, مع استحضار عدم ورودها في النص في الذهن, لأن بعض المصادر أشارت إليها, فيقول ابن رشد في هذا في باب ما يجب على المحارب , وبعد ذكر العقوبات الأساسية, ... ) وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين - الرأي والقوة- أخذ بأيسر ذلك وهو الضرب والنفي) [2] , ويقول الحطاب عند حديثه عن عقوبات الحرابة (يؤخذ بأيسر العقوبات وذلك الضرب والنفي) [3] , والحطاب ذكر أن الضرب خارج عن النص, ولم يناقشه, وهذا يعني استحضاره في الذهن, والحكم به دليل جوازه وشموله من حيث المضمون.

إذا كان التعزير عند الأحناف كما ذكرنا ينظر إليه باعتبارين, أولهما باعتبار ارتباطه بالحد, وهذا عقوبته الضرب, ويقيدها الحد, وتعزير ليس من جنس الحد حقيقة أو حكما, أي ولو تضمن الحد واشتمل على معنى زائدا عن الحد, وهذا يعد من باب الحرابة, وتدور عقوبته بين الضرب, وغير مقيد بالحد, والحبس, والقتل, فإن إدخال المالكية الضرب وما يقابله من تجريم في الحرابة تضييق للخلاف بين المالكية والأحناف, ويكاد يكون ينحصر في الجانب النظري, خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ما ذكره فقهاء المالكية من ضرورة مراعاة ولي الأمر للخطورة الإجرامية للفعل عند اختيار العقوبة, وإن كان الخيار مطلقا من حيث المبدأ, وظاهر الآراء [4] , أي أن هذا يلزم المشرع بالتقيد بالحد فيما كان من جنسه وصورته وافتقد شرط شرط من شروطه, وبهذا يلتقي المالكية والأحناف من حيث التطبيق, وإن اختلفوا في الإطلاق, أي ما كان من جنس الحد, وفي معناه, وافتقد شرط من شروطه لا يتجاوز الحد وفقا لرأي المالكية والأحناف, إلا أنه عند الأحناف لأنه جزء من جريمة تحدد حدها الأعلى من حيث العقوبة, وعند المالكية حرابة يجب على

(1) - ابن رشد الحفيد- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد - بداية المجتهد ونهاية المقتصد- بيروت- دار الكتب العلمية- ط العاشرة سنة 1988 م 2 م 455 - 459.الحطاب, مواهب الجليل 6/ 314 وما بعدها. الدسوقي, حاشية الدسوقي 4/ 348.

(2) ابن رشد, بداية المجتهد, 2/ 255.

(3) - الحطاب, مواهب الجليل 6/ 315.

(4) - ابن رشد, المقدمات 3/ 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت