المشرع في تقدير عقوبتها مراعاة الخطورة, وما دام خطورة الفعل دون الحد يجب ألا تتجاوز عقوبتها الحد.
إن القراءة السابقة لرأي المالكية تقضي بأن جرائم الإنترنت من باب الحرابة, وبهذا نخلص المشرع من قيد الحد, وخرق مبدأ التناسب, وتحقيق المقاصد من التجريم والعقاب وفق ظروف كل مرحلة, وحالة, أي ما يعرف بالتفريد العقابي, ودون خروج عن مبدأ الشرعية, وهذا إعطاء حيوية أكثر لنصوص الفقهاء, وآرائهم.
نخلص من خلال ما سبق إلى أن الوصف التجريمي لجرائم الإنترنت هو الحرابة فيما خرج عن جنس الحد, ويراد بجنسه الجريمة الحدية إذا اختل منها شرط من شروط الحد, ولا يتحدد من خلال الكلية التي تعلق بها الحد, كالعرض مثلا والنسل في الزنا والقذف, أما ما كان من جنس الحد, فإن تحقق فيه شروط الحد, يطبق عليه الحد, وأما إذا اختل شرط من شروط الحد فيتقيد بالحد في العقوبة, وفقا للمالكية والأحناف, وإن اختلفوا في الوصف من حيث الإطلاق, فهو يدور بين التعزير والحرابة وفقا لرأي الأحناف, وحرابة وفقا لرأي المالكية.
إن الشافعية والحنابلة, ووافقهم الشيعة والظاهرية, تدور أرائهم في فلك المالكية والأحناف, وإن اختلفت طريقة الطرح, فمثلا الحنابلة عند التبويب ذكر ابن قدامة كتاب الحدود , وتناول من خلاله بالشرح والتحليل حدي القذف والزنا, ثم ذكر كتاب قطاع الطريق, وكتاب الأشربة, , وذكر التعزير مسئلة ضمن كتاب الحدود, وذكره تحت عنوان"لا يبلغ بالتعزير الحد", وقبل كتاب الحدود ذكر كتاب أهل البغي, وكتاب المرتد, ومن فصوله السحر [1] , والشافعية لم يختلفوا عن الحنابلة في هذا, فلم يذكر التعزير تحت عنوان معين, باب أو كتاب أو فصل, أو حتى مسألة , وتعرضوا له عند الحديث عن الزنا, والقذف [2] , بل صرحت بعض المصادر بأنه في معنى الحديقول الماوردي في هذا (سقوط الحد يوجب الانتقال إلى رادع من جنسه, وهو التعزير .... التعزير بعد سقوط الحد يقين, لأنع بعض الحد.) [3] , ولا أعتقد أن هذا لعدم المنهجية في التبويب, أو بلا معنى, خاصة وأن مسلكهم في بقية أبواب الفقه يختلف, ويؤيد هذا دلالة التطبيقات على تجاوزه في جرائم تعد صورة من الحدود, مع أنهم قرروا من حيث المبدأ ألا يتجاوز التعزير الحد, منها مثلا عقوبة القتل في من قذف الرسول صلى الله عليه وسلم, أو أمه [4] , ومنها رجم من فعل قوم لوط محصنا, كان أو غير محصن, ومنها قتل من فعل في
(1) - ابن قدامة, المغني ينظر فهرس الجزء 12.
(2) - الإمام الشافعي, الأم ينظر فهرس الجزء السادس, الماوردي, الحاوي الكبير, ينظر فهرس الجزء 16, 17.الشربيني, مغني المحتاج, ينظر فهرس الجزء الخامس.
(3) - الماوردي, الحاوي الكبير 17/ 113.
(4) - ابن قدامة المغني,12/ 269 - 270.