وهذا الاستلحاقُ يَدرؤه، فيكون سببًا لعدم العمل بالمعنى الثاني -أي وجود الضرر في الفعل المحرّم-.
وهذه طريقة مَن صحَّح استلحاق ابن الزنا؛ وهم أصحاب القول الثاني؛ كإسحاق بن راهويه: وغيره.
وبناءً على ذلك: رتبوا جميعَ أحكام البنوّة للابن من الزنا إذا استلحقه مدّعيه، ولم يستثنوا شيئًا.
2 -ومِن الفقهاء مَن غلّب المعنى الثاني. فقَطَعَ هذه الصِّلةَ بين الولدِ وأبيه من الزِّنا مطلقًا، وطَرَدَ إلغاء آثار البنوّة في جميع الأحكام على العموم؛ ولم يستثنِ شيئًا - على سبيل الإجمال-.
ويمثل هذه الطريقةَ الإمامُ الشافعيُّ: وأصحابُه، يقول الإمام الشافعي: «ما نُسب من الولد إلى أبيه نعمةٌ من نعمه تعالى .. ونعمتُهُ لا تكون مِن جهة معصيته - .. فكان معقولًا في كتاب الله أن ولد الزنا لا يكون منسوبًا إلى أبيه الزاني بأُمِّه؛ لما وصفنا من أن نعمته إنما تكون من جهة طاعته لا من جهة معصيته» [1] .
ومِن آثار ذلك: أنهم ألغوا جميعَ آثار البنوّة، حتى أجازوا للأب أن يتزوّج ابنته من الزنا [2] ، وغير ذلك من المسائل.
3 -وهناك طريقٌ ثالثٌ مُتوسطٌ بين الطّريقين السَّابقين؛ وهو مسلكُ جمهور الفقهاء على الإطلاق [3] : وذلك بإعمال المعنيين معًا، فلم يُثبتوا النسبَ مُطلقًا لابن الزنا، ولم ينفوه عنه مطلقًا، بل أثبتوا بعضًا من أحكام البنوَّة التي يقتصر أثرُها على الابنِ ووالدِه فقط؛ كحُرمةِ التزاوج بينهم، وكعتقِ الابن إذا ملكه أبوه من الزنا [4] ، وكالحُكم بإسلام ولد الزنا إذا أقرّ أبوه بذلك [5] ، ونحوها من المسائل.
(1) أحكام القرآن للشافعي ص 536.
(2) نص على ذلك الشافعي في (الأم 5/ 32) مع كراهته وَرَعًَا.
(3) كالحنفية، والمالكية، والحنابلة.
(4) فتح القدير 5/ 46، حاشية ابن عابدين 6/ 136.
(5) ينظر: فتح الباري 3/ 222.