الوقف ذلك الإبداع الذي استجاب لعمق القيمة الإسلامية في ضمير المسلم في إطار مفهوم الملكية كوظيفة اجتماعية في الأساس والمالك موكل بإحسان دورها في إنفاقه الخاص والعام.
هذه النظم والتكوينات كان للفقه والفقيه دورهما في حركة المجتمع البعيدة عن سلطة الحكم. إذ كان الحاكم مكلفًا بحماية هذه الحركة في الإطار الأمني دون التدخل في مقتضيات النمو الاجتماعي أو ما يطلق عليه اليوم بالتنمية استدامة في إطار المجتمع المدني والتي بدأ العصر الحديث يبشر به بعدما ناءه بثقل ما يسمى دولة الرفاهية في الإطار الاجتماعي.
فيما كانت السلاطين ترغب في النفع العام كانت إلى صيغة الوقف والأوقاف السلطانية في العصر العثماني والمملكوكي في وضع أملاك الدولة في صيغة إدارة المجتمع صيغة للوقف. نظامه أي كنوع من الخصخصة الجارية اليوم في نطاق التطور الجديد لمفهوم الدولة الذي ينوء بتكاثر العبء العام وفساد المركزية في السلطة ولذا يعود إلى القيم الأساسية التي رسختها من قبل الحضارة الاسلامية في بناء المجتمع ففي دراسة لدرجة الدكتوراه أعدها الدكتور إبراهيم البيومي غانم تحت عنوان"الأوقاف السياسية في مصر"أشار الدكتور المستشار طارق البشري في المقدمة لهذا الكتاب إلى هذا الجانب الذي الذي أغفلته سائر الدراسات الحديثة حول الوقف فقال:
"إن ما اصطلحنا على تسميته بالدولة الحديثة في التاريخ المعاصر لبلادنا هو ما يمكن وصفه بأنه الدولة المركزية والشمولية. وهي بمركزيتها الشديدة لم تسمح بوجود كيان تنظيمي اجتماعي أو سياسي مستقل عنها في اتخاذ قراراته وإدارة شؤونه وهي بشموليتها الطاغية لم تسمح بأن يزاحمها أي تكوين آخر في أي من مجالات النشاط الاجتماعي أو السياسي أو الشعبي."
لذا عملت الدولة الحديثة على تصفية مؤسسات المجتمع التقليدية، ليس لإحلال المؤسسات الأهلية الشعبية الجديدة محلها ولكن لإحلال السيطرة المركزية للدولة الحديثة.
وكما كانت الثقافة الغربية، بغربتها وبعدها عن التقبل الشعبي العام، مما يصعب أن تقوم به كيانات تنظيمية وعلاقات بشرية ذات قدرة على التيسيير الذاتي والاحتكام إلى أصول شرعية ذات تقبل شعبي عام. وذات انتشار معرفي واسع لا تنحصر من نخب مغلقة على ذاتها نسبيا من المسيطرين على جهاز الدولة. ولذلك فإن جهاز الدولة الحديثة بصياغته المركزية الشمولية قد نشر التغريب الثقافي والمؤسس ودعمه كما أنه تدعم بهذا التغريب وقوى به ووجد فيه الصياغة الثقافية والتنظيمية الأوفق لاستتباب هذا الجهاز وترسيخه ولسيطرته على أصل الشرعية التي تصدر عنها القوانين والقواعد والأوامر"."