"ينشأ الوقف عن إرادة الواقف المنفردة ويخضع في أحكامه لشروط الواقف فهو إذنْ بمثابة الحالات التعاقدية لأن هناك إرادة الواقف من جهة وقبول المستحق من جهة ثانية. فلا يختلف في جوهره عن الهبات التي هي بدورها أيضًا من الأوضاع التعاقدية دون القانونية ويخضع بالتالي للشروط الواردة في صك إنشائه".
لا شك أن هذا يتنافى مع مفهوم الوقف كمؤسسة ويظهر ذلك كله في النتائج التالية:
1 -ليس الوقف تعاقديًا وإلا لانتقلت حقوق المستحق إلى ورثته باعتبارهم خلفًا عامًا، فيما من المتفق عليه أن الاستحقاق في الوقف بالنسبة للطبقات والذُّرِّية استحقاق مباشر بمقتضى صك الوقفية بالنسبة للطبقة الثانية وليس باعتبارهم خلفًا عامًا.
2 -لقد بنى القضاء اللبناني على هذه القاعدة الجوهرية أحكام مرور الزمن إذ هذه الأحكام لا تمر بالنسبة للطبقة الثانية إلا من تاريخ استحقاقها بزوال الطبقة الأولى (راجع فرح أبي راشد حكم وقف بيت الدين) .
3 -إن الوضع التعاقدي للوقف ينفي عن الوقف مفهومه الأساسي وهو أنه وقف على غير معينين بالاسم وأن مآله إلى جهة بر لا تنقطع وأن انتفاع الذرية وفقًا لشروط الواقف هو قيد على الجهة المالية للوقف والتي هي ركن لا يصح الوقف إلا بها. كما صرح بذلك قانون الوقف الذري الصادر في 10 آذار 1947.
ينبني على استقرار الوقف كمؤسسة تنشأ بإرادة الواقف وتخصص من حيث المآل إلى النفع العام أن المتولي يمثل حقيقة الواقف المالية وهي النفع العام فهو لا يمثل المستحقين فيه إنما هو ملزم حيالهم بتنفيذ شروط الواقف وتوزيع الريع عليهم وفقًا لهذه الشروط فمحاسبته وفقًا لأحكام المادة 41 وما يليها من قانون الوقف الذُّري إنما هي محاسبة أمين على ريع الوقف الذي استحقه المستحقون فضلًا عن أنه أمين على عين الوقف وحسن إدارتها.
ونظرًا لأن المتولي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصلحة الوقف المآلية التي تنطبق عليها الأحكام الشرعية فقد أعلن القضاء المدني عدم صلاحيته المطلقة لتعيين متول للوقف في نوعيه الخيري والذري.
قرار محكمة التمييز المدنية الثانية رقم 51 تاريخ 21 أيار 1955 الرئيس سيوفي.
وقد تشدد القضاء المدني في إبراز استقلالية المتولي بإرادة الوقف الذري دون أن يكون للمستحقين أية علاقة في هذه الإدارة سوى محاسبة المتولي عن الريع أمام القاضي الشرعي.