ومن الطبيعي أن قانونًا يتضمن تصفية الوقف الذري وتحويل العقار إلى ملك للمستحقين يقسم بينهم وفق قواعد القسمة العقارية، إن قانونًا كهذا سوف يحفز المستحقين إلى الاهتمام بحقوقهم المالية في الوقف وسوف يضع ذلك أمام القضاء وعلى كل صعيد مشكلات وقفية تتعلق بتفسير حجج الوقف أو تلمس معالمها في واقع التعامل أو تحديد شروط التولية ومصلحة وصفة المستحقين في كل ما يدعون به أمام القضاء المدني. ولا يقتصر الأمر على هذا الجانب فهناك الوقف المشترك بين الخيري والذري وقد ألقى القانون الجديد على القضاء المدني عبء استشفاف حدود هذه الشراكة وما إذا كانت موجودة بين هاتين الجهتين أو أن إحداهما تَسْتَقل عن الأخرى بكامل الوقف.
إن هذه المشكلات قد زكت الحاجة إلى استشارة المراجع الفقهية والتي كانت الكلمة الفصل في شؤون الوقف.
ولم يكن الأمر بالعسير على القضاة ورجال القانون فمنذ العشرينات برزت في إطار حركة التحديث في مصر مشكلة الأوقاف الأهلية والأوقاف الخيرية. وترامى إلى القضاء المختلط في مصر والقضاء الأهلي كثير من الحلول المستمدة من الفقه الإسلامي وما أمر هذا الفقه عن حركة القانون المصري ببعيد.
وهكذا كان لدى الرعيل الأول من القضاة الذين شهدوا مولد الدولة اللبنانية ثم مولد قانون 10 آذار 1947 فيض من المعلومات حول بناء الوقف القانوني واتخذت المذكرة التفسيرية لقانون الوقف الذري ما رشح إليها من سوابق القانون المصري في هذا الإطار وما ثار حوله من جدل يتصل بالأصول وبالمذاهب المختلفة للفقه الإسلامي منها مبدأ الرجوع عن الوقف من قبل الواقف وفقًا لبعض المذاهب. لكن قانون الوقف الذري أبقى في تعريفه للوقف على ما استقر عليه بناء الوقف التاريخي حين استمد أسسه من الفقه الحنفي عدا مبدأ الرجوع عن الوقف الذري من الإشهادات التي تجري طبقًا لهذا القانون. وإذا كانت هذه المقدمات قد وفرت نسقًا من الأحكام يتفق مع طبيعة الوقف في بنائه الشرعي والقانوني إلا أن هذا النسق كثيرًا ما اضطرب حبله وما يزال يضطرب كلما تناءى الزمن عن تلك الحركة الفقهية والتشريعية وكان لنا أن نشهد بعض هذه الاضطرابات التي دعتنا إلى الحديث في موضوعنا اليوم.
وسنقصر البحث في جوانب ستة فقط وهي الآتية:
1 -الوقف كمؤسسة ذات شخصية معنوية.
2 -تمثيل الوقف بالمتولي.
3 -المستحق في الوقف وموقعه القانوني.
4 -حدود المفهوم العيني في الوقف.
5 -في تصفية الوقف الذري والوقف المشترك بين الخيري والذري ومفعول قرار التصفية.