الصفحة 54 من 61

أجمع عليه من رآه الشافعي، وظاهر كلامه لا فرق بين أن يكون به رهن [1] أو ضمين [2] أولا [3] ، ولكن صورة الرهن أولى بالإجبار وهي التي تساوي مسألة الورثة، لأن التركة مرهونة [4] .

نعم لو رضى الغرماء بفك الرهن كان الحكم كذلك من أنهم يُجبرون على القبض فيما يظهر، لأن الرهن لحق الميت [5] فلا ينفك بفك الغرماء بدون الإبراء، ولا شك أن صورة الرهن في حال الحياة مساوية لصورة الورثة لاسيما إذا فرضناها فيما إذا مات من له دين وطلب ورثته فك الرهن وأداء الدين فإنا نقطع بمساواة هذه الصورة لصورة الورثة ولا يتخيل هنا أن الذي له الرهن حجر على نفسه وإن كان الخيال في الصورة الأولى ضعيفًا أثره.

وقال الشافعي - رحمه الله - في"البويطي" [6] : (( للمكاتَب أن يعجِّل مكاتَبته قبل محلِّها، ويُجبر السيد على أخذها، والحجة في ذلك حديث أنس رضي الله عنه حين قال له عمر رضي الله عنه: (( خذه ) ). وذلك إذا كان الشيء لا يتغير عن حاله مثل أن يكاتبه على الدنانير والدراهم وما أشبهه، ويُجبر على أخذه من الدنانير والدراهم وإن كان في غير موضعه الذي كاتَبه عليه إلا أن يكون في موضع [حرابة] [7] وأما المتاع الذي لا يتغير فلا أجبره إلا في البلد، مثل الحديد وشبهه لأن له مؤنة بالحمل فأما الطعام وشبهه مما يتغير بالقدم والجده فلا أجبره إلا في أجله. قال أبو يعقوب: والرقيق والدواب كذلك لأن لهم مؤنة بالعلف والطعام )) [8] انتهى.

ولم يتعرض في هذا النص لغير دين الكتابة. وما اقتضته هذه

(1) الرهن لغة: الثبوت، يقال: رهن الشيء: دام وثبت. وشرعًا: جعل عين مال متموّلة، وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه.

انظر: مختار الصحاح مادة (رهن) ، نهاية المحتاج 4/ 234.

(2) الضمان لغة: الإلتزام. وشرعًا: التزام الدين والبدن والعين الآتي كل منها، وعلى العقد المحصِّل لذلك. غير أن العرف خصَّص الضامن والضمين بالمال.

انظر: مختار الصحاح مادة (ضمن) ، نهاية المحتاج 4/ 432.

(3) وهذا إشارة إلى خلاف الشافعية في الإجبار على قبض المؤجَّل قبل المحلِّ، فقالوا: إن كان للدافع غرض كفك رهن أو إبراء ضامن، فيجبر على القبول، أما إذا لم يكن للمؤدى غرض في التعجيل سوى براءة الذمة ففيه قولان: أحدهما: لا يجبر، والثاني: يجبر، وهو الذي انتصر له المصنف كما سيأتي بيانه.

انظر: العزيز شرح الوجيز 4/ 426، روضة الطالبين 3/ 271، نهاية المحتاج

(4) لأن الديون على المتوفى تتعلق بتركته فأشبهت تعلق الدين بالمرهون، لذلك كان قياس الإجبار في حال الحياة مع الرهن على الإجماع الذي نقله الشافعي على إجبار من له الدين الميت على قبوله لمصلحة الورثة والموصى لهم، لأن التركة مرهونة أيضًا، بقياس الأولى، لأن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره.

انظر: العزيز شرح الوجيز 4/ 497، روضة الطالبين 3/ 325.

(5) ووجه كونه لحق الميت أنا إذا قلنا إن التركة مرهونة بالدين لإبراء ذمة الميت، فيمتنع على هذا تصرف الوارث فيه جزمًا، بخلاف إذا قلنا إن تعلقها كتعلق الإرش برقبة الجاني ففيه خلاف، لهذا لا ينفك كما قال المصنف إلا بالإبراء بأداءٍ أو حوالةٍ أو غيرها.

انظر: نهاية المحتاج 4/ 295، 304، العزيز شرح الوجيز 4/ 497، روضة الطالبين

(6) أي مختصر البويطي، والبويطي هو يوسف بن يحيى المصري، أبو يعقوب، صاحب الشافعي له كتاب"مختصر البويطي"توفي سنة 231 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء 12/ 58، شذرات الذهب 3/ 143.

(7) في الأصل: (( خزانة ) )والمثبت من نسخة (ب) وهو موافق لما في البويطي.

(8) انظر: مختصر البويطي (مخطوط 49 ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت