النصوص من الإجبار على قبض المؤجل من غير تفصيل بين أن يكون به رهن أو لا، هو الذي جزم به كثير من الأصحاب العراقيين كالماوردي [1] وصاحب"المهذب"و"التنبيه" [2] وابن الصبَّاغ [3] وسليم [4] والشيخ أبو حامد [5] [6] .
وفصّل آخرون وقالوا: إن كان للدافع غرض سوى براءة الذمة، كما لو كان به رهن يريد فكاكه، أو ضامن يريد براءته، أو مكاتب يريد تعجيل النجوم ليعتق فيُجبر.
وإن لم يكن غرض سوى براءة الذمة فقولان، ذكر هذه الطريقة ابن داود [7] ، والمراوزة [8] ، وصحّح الرافعي [9] من القولين: الإجبار [10] ، واقتضى كلام الإمام [11] في باب النهي عن بيع وسلف، أن الصحيح عدم الإجبار [12] ، وهو خلاف النَّصِّ.
وقيل بطرد القولين فيما إذا كان للدافع غرض في صورة الرهن والضمين / [4 / أ] وهو غريب بعيد [13] ، ومع ذلك لم يطردوه في الكتابة فيما أعلم، فتلخَّص من هذا ثلاثة أوجه:
أصحها: الإجبار مطلقًا، ولا يخفى أن محله على ما تقدم تفصيله عن الشافعي رحمه الله ولهذا استغنينا / [3 / ب] عن التطويل به.
والثاني: الإجبار في صورة الرهن والضمين ودين الكتابة دون غيرها.
(1) هو علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي، أبو الحسن، أقضى القضاة، صاحب"الحاوي"و"الأحكام السلطانية"توفي سنة 450 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 64، شذرات الذهب 5/ 218.
(2) هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، جمال الدين، أبو إسحاق الشيرازي، من تصانيفه (( اللمع ) )توفي سنة 446 هـ.
انظر: طبقات الشافعية 2/ 480، شذرات الذهب 5/ 323.
(3) هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، أبو نصر ابن الصبَّاغ، شيخ الشافعية في زمانه من تصانيفه"الشامل"و"الكامل"توفي 477 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 464، طبقات الشافعية 3/ 133.
(4) هو سليم بن أيوب بن سليم الشيخ، أبو الفتح الرازي، إمام من أئمة الشافعية، له كتاب"البسملة"و"كتاب في التفسير"توفي سنة 447 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 17/ 645، طبقات الشافعية 3/ 49.
(5) هو أحمد بن محمد بن أحمد الاسفرايني، يعرف بالشيخ أبي حامد عند الشافعية، انتهت إليه رئاسة الشافعية في زمانه، له كتاب"التعليقة"و"الرونق"توفي سنة 406 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 17/ 193، طبقات الشافعية 2/ 382.
(6) انظر نسبة هذه الأقوال في: الحاوي الكبير 5/ 417، المهذب مع شرح المجموع
13/ 149، التنبيه مع شرح السيوطي 2/ 399.
(7) لعله محمد بن داود الصيدلاني، أبو بكر، من أئمة خراسان، له شرح على مختصر المزني، توفي سنة 427 هـ.
انظر: طبقات الشافعية الكبرى 2/ 348، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص 152.
(8) ويعنى بهم شافعية مرو بخراسان، ويعبر عنهم بالخراسانيين تارة وبالمراوزة أخرى.
انظر: طبقات الشافعية لابن هداية الله 1/ 35.
(9) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي، أبو القاسم، إمام الدين، من تصانيفه
"الشرح الكبير"توفي سنة 623 هـ. انظر: طبقات الشافعية 4/ 400، شذرات الذهب 7/ 189.
(10) لأن امتناعه يكون محض تعنت، وعلى هذا التفصيل سار النووي وشرّاح المنهاج وصحّحوا القول بالإجبار لكن لا على وجه الوجوب لأنهم جعلوا هذا القول هو الأظهر والأصح.
انظر: العزيز شرح الوجيز 4/ 426، روضة الطالبين 3/ 271، نهاية المحتاج 4/ 217، مغني المحتاج 2/ 116، تحفة المحتاج 5/ 33.
(11) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، إمام الحرمين، أبو المعالي، من تصانيفه
"النهاية"في الفقه و"البرهان"في أصول الفقه، توفي سنة 478 هـ.
انظر: طبقات الشافعية 3/ 158، سير أعلام النبلاء 18/ 468.
(12) والعلة أن التعجيل كالتبرع بالمزيد فلا يكلف تقلّد المئة.
انظر: العزيز شرح الوجيز 4/ 427، روضة الطالبين 3/ 271.
(13) استغربه الرافعي، أما النووي فنقل هذا القول من غير تعليق. انظر المرجعين السابقين.