اتفق الفقهاء علي أن الحد لا يثبت بشبهة [1] ؛ لأن الأصل براءة الذمة ,وإنما اختلفوا في درء الحد بالشبهة.
قال ابن حزم:"فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إن دماءكم وأموالكم قال محمد و أحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا .. ) ) [2] وإذا ثبت الحد لم يحل أن يدرأ بشبهة لقول الله - سبحانه وتعالى - {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] ." [3]
فالحد قبل ثبوته لا يقام إلا بدليل شرعي باتفاق العلماء، لكنه إن ثبت وفق السند الشرعي ثم وجدت شبهة تدحض هذا الإثبات القائم فهل يقام الحد مع ورود الشبهة أم لا؟، قال جمهور العلماء بأنه لا يقام وخالفهم ابن حزم وأوجب تطبيق الحد.
ثالثًا: الأدلة والمناقشة
سبق أن بينا أدلة جمهور العلماء الآخذين بهذه القاعدة في المطلب السابق، ولذلك سأبين هنا أدلة الظاهرية وأناقشها، ثم أبين الراجح بإذن الله سبحانه:
أدلة الظاهرية ومناقشتها:
أولًا: استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . (البقرة 229)
وجه الدلالة: في الآية دلالة على النهي عن تعدي أوامر الله و نواهيه، التي منع الشرع من مجاوزتها [4] ، فالحدود إذا درئت فهذا تعدٍ وقد نهي عنه.
ويناقش بأن عدم إقامة الحد حال ورود الشبهة ليس فيه تعد لحدود الله، بل إن عقاب من قامت الشبهة في حقه فيه التعدي لأن تطبيق الحدود له شروط ومن ضمنها عدم الشبهة كما سبق بيان أدلة ذلك.
ومن جهة ثانية فإن هذه الآية لم ترد في سياق الحديث عن الحدود بل جاءت في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم:
(1) السيواسي: كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير، دار الفكر الطبعة الثانية 1397 هـ، 5/ 248,الخرشي: محمد بن عبد الله بن علي، حاشية الخرشي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1997 م،8/ 344, الشيرازي: المهذب،2/ 344, ابن قدامة: الكافي،4/ 137 ابن حزم: المحلي،1/ 344.
(2) البخاري: صحيح البخاري، 1/ 52، مسلم: صحيح مسلم، 3/ 1305.
(3) ابن حزم: المحلى، (12/ 57)
(4) البغوي: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 510 هـ) ، عالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، الطبعة الأولى، 1420 هـ، 1/ 208.