المبحث الرابع
التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد المقاولة
أُشير سابقًا إلى أن عقود المقاولات إما أن تكون إجارة، وإما إن تكون استصناعًا، والإجارة جائزة شرعًا، بدليل قوله تعالى: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} (القصص: 26) ، وبدليل قوله - صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يؤته أجرته" (صحيح البخاري: 2/ 776، 792) ، وبدليل إجماع الأمة (ابن المنذر، 1981: 101) .
والاستصناع أجازه الحنفية استحسانًا؛ ولأن الناس تعاملوا به في سائر الأزمان من غير أن ينكر أحد ذلك فكان إجماعًا (الرازي، 1984: 2/ 38؛ الكاساني، 1982: 5/ 209) ، وأما المالكية والشافعية والحنابلة فإنهم اعتبروا الاستصناع سلمًا؛ فأعطوه حكمه وشروطه (مالك، د. ت.: 9/ 19؛العبدري، 1977: 4/ 539؛ الشيرازي، د. ت.: 1/ 298؛ البجيرمي، د. ت.: 2/ 340؛ البهوتي، 1981: 3/ 295؛ ابن تيمية، 1983: 1/ 334) ؛ وهذا خلاف ما اشتهر عنهم من أنهم لا يجيزون الاستصناع، وقد أشار إلى ذلك التارزي وعلله بقوله:"القضية قضية تخريج، والتزام بمصطلحات معينة لكل مذهب" (التارزي، 1992: 577 وما بعدها) .
والاستصناع الذي يجري التعامل به اليوم يحتاج إلى مناقشة المسائل المتعلقة ببعض الضوابط والأحكام التي قررها العلماء لجواز عقد الاستصناع، وهي وفق المطالب التالية:
المطلب الأول: مسألة اشتراط أن يكون المصنوع مما يجري التعامل فيه بين الناس:
لقد اشترط الحنفية لصحة الاستصناع أن يكون الشيء المراد صنعه مما تعارف الناس فيه، فإن كان مما لم يُتعارف فيه فلا يصح (المرغيناني، د. ت.: 3/ 78؛