الصفحة 23 من 36

المبحث الرابع

التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد المقاولة

أُشير سابقًا إلى أن عقود المقاولات إما أن تكون إجارة، وإما إن تكون استصناعًا، والإجارة جائزة شرعًا، بدليل قوله تعالى: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} (القصص: 26) ، وبدليل قوله - صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يؤته أجرته" (صحيح البخاري: 2/ 776، 792) ، وبدليل إجماع الأمة (ابن المنذر، 1981: 101) .

والاستصناع أجازه الحنفية استحسانًا؛ ولأن الناس تعاملوا به في سائر الأزمان من غير أن ينكر أحد ذلك فكان إجماعًا (الرازي، 1984: 2/ 38؛ الكاساني، 1982: 5/ 209) ، وأما المالكية والشافعية والحنابلة فإنهم اعتبروا الاستصناع سلمًا؛ فأعطوه حكمه وشروطه (مالك، د. ت.: 9/ 19؛العبدري، 1977: 4/ 539؛ الشيرازي، د. ت.: 1/ 298؛ البجيرمي، د. ت.: 2/ 340؛ البهوتي، 1981: 3/ 295؛ ابن تيمية، 1983: 1/ 334) ؛ وهذا خلاف ما اشتهر عنهم من أنهم لا يجيزون الاستصناع، وقد أشار إلى ذلك التارزي وعلله بقوله:"القضية قضية تخريج، والتزام بمصطلحات معينة لكل مذهب" (التارزي، 1992: 577 وما بعدها) .

والاستصناع الذي يجري التعامل به اليوم يحتاج إلى مناقشة المسائل المتعلقة ببعض الضوابط والأحكام التي قررها العلماء لجواز عقد الاستصناع، وهي وفق المطالب التالية:

المطلب الأول: مسألة اشتراط أن يكون المصنوع مما يجري التعامل فيه بين الناس:

لقد اشترط الحنفية لصحة الاستصناع أن يكون الشيء المراد صنعه مما تعارف الناس فيه، فإن كان مما لم يُتعارف فيه فلا يصح (المرغيناني، د. ت.: 3/ 78؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت