المبحث الثاني
التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد التوريد
عقود التوريد من العقود المعاصرة كما أُشير إلى ذلك سابقًا، ومن ثَم فحكمها هو الحكم الراجح في المسألة الخلافية القائمة على: (هل الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، أو الأصل فيها الحظر والبطلان إلا ما نص الشارع على صحته) ، وليس هنا موضع بحثها، حيث رجّح الباحثان أن الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، وعليه فإن عقود التوريد تُعتبر عقودًا مشروعة.
ويشير المصري (المصري، 1996: 205،217) إلى أن عقود التوريد تشبه عقد البيع، وتشبه بيع السلم من جهة اشتراط تحديد أوصاف المعقود عليه، والقدرة على تسليمه، وتحديد مواعيد التسليم، إلا أن المطلق (المطلق، 1993: 31 وما بعدها) يشبهها بصور فقهية بحثها الفقهاء المتقدمون كبيع موصوف في الذمة غير معين على غير وجه السلم، وكالشراء المستمر، والجمع بين البيع والإجارة، وبيع ما يتكرر قطفه، ولا يعلم أحدًا من العلماء يرى أن عقود التوريد من بيع السلم.
ونظرًا لكون البدلان - المبيع والثمن - يتأجلان في عقود التوريد إلى آجال محدودة ومعلومة شبهها المصري بعقد الاستصناع (المصري، 1996: 205،217) ، وتحديدًا بمفهومه عند صاحبي أبي حنيفة إذ أجازوا فيه عدم تعجيل الثمن خلافًا للسلم، كما أنهما اعتبراه عقدًا جائزًا غير لازم مع عدم ذكر الأجل، ولازمًا بتحديده (السرخسي، 1985: 12/ 139 وما بعدها) .
وبناءً على أن عقود التوريد قد يتأجل فيها البدلان طُرِحت عدة شبهات كالغرر، وبيع الدين بالدين - بيع الكالئ بالكالئ - وبيع ما ليس عند الإنسان، وهذا يحتاج إلى بيان وفق المطالب التالية: