وجه الدَّلالة: أن الله - جل وعلا - بيَّن أن بعضًا من الناس يشتري لَهْو الحديث - وهو الغناء - من أجل إضلال الناس، وإذا كان الغناء سببًا من أسباب الضلالة فلا شك في تحريمه.
4 -قال - تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم/59 - 61] ، قال عِكْرِمة عن ابن عباس: السُّمود: الغناء في لغة حِمْيَر، يُقَال: أَسْمِدي لنا؛ أي: غَنِّي لنا، قال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن غَنَّوا، فنزلت.
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - استفهم منهم استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، وذكر في سياق هذا أن من أوصافهم الذميمة السُّمود - وهو الغناء - فهذا يدلُّ على أنه مُحَرَّم، إذ لو كان مشروعًا أو باقيًا على البراءة الأصليَّة لَمَا ذَمَّهم على فعله.
وأما السنة، فنقتصر على دليل واحد، وهو ما رواه البخاري في"الصحيح"مُعَلَّقًا بصيغة الجَزْم، ورواه أبو داود، وابن ماجه في"السنن"، وأبو بكر الأسماعيليُّ في"الصحيح"إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيَكوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يَسْتَحِلُّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازِف» .
وتقرير الاستدلال من ثلاثة أوجه:
1 -أن الحديث سِيقَ لذمِّ هذا الصنف من الناس الذين يتجاوزون حدود الله، ومنها هذه الأمور التي منها المعازف، وأكَّد ذلك باللاَّم في صدر الكلام وبالنون المؤكَّدة، ولو كان مباحًا لما ذمَّهم.
2 -أنه قال: (يستحلون) ، ففُهِم من هذا الحديث أن حرمتَه مُتَقَرِّرَة، والمعازِف هي آلات الملاهي على اختلاف أنواعها، قاله غيرُ واحد من أئمة اللغة؛ كابن منظور، وصاحب القاموس.
3 -أن الله - تعالى - قََرَن المعازِف بما ذكره معها وهي مُحَرَّمة، فتكون المعازِف مساويةً لها في أصل الحكم الذي هو التَّحريم من باب دلالة الاقتِرَان.
وأما أقوال الأئمة، فقد قال عبدالله ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء يُنبِتُ النِّفاق في القلب، لا يعجبني، وأما الشافعي فقد صَرَّح أصحابُه