فعنِ ابن عمرَ أنه سمعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يقول في صلاةِ الفجر ـ ورفَعَ رأسَه من الركوع ـ قال:"اللهم ربَّنا ولك الحمد"في الأخيرةِ، ثم قال:"اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا"، فأنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . (آل عمران: 128) رواه البخاري.
القول الثاني: جواز لعن الكافر المعين, وهو مذهب الإمام أحمد. (انظر المغني لابن قدامة 2/ 586) .
واستدلوا: بحديث عمرَ بن الخَطاب أن رجلًا كان على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه عبد الله وكان يُلقبُ حِمارًا وكان يُضحكُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد جَلدَهُ في الشراب، فأُتيَ به يومًا فأمرَ به فجُلدَ، فقال رجلٌ منَ القوم: اللهمَّ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا تَلعَنوهُ، فو الله ما علمتُ إلا أنه يحبُّ الله ورسوله". رواه البخاري.
قالوا فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يُلعن.
وممن صرح بذلك ابن العربي مستدلًا بجواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله, فقال في أحكام القرآن (1/ 50) :"والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله كجواز قتاله وقتله"ا. هـ.
والأظهر والله أعلم: جواز لعنه لاسيما الذين يحاربون المؤمنين ويصدون عن الدين, لورود ذلك عن بعض الصحابة.
وأقوى ما استدل به المانعون هو سبب نزول قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فإن سبب نزولها مختلف فيه وفيه خمسة أقوال كما ذكر ابن الجوزي (في زاد المسير 1/ 386) . أشهرها قولان: أحدها: ما ذكره أصحاب القول الأول من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن رجالًا من المنافقين فأنزل الله هذه الآية كما عند البخاري من حديث ابن عمر, والثاني: ما رواه مسلم من حديث أنس بن مالك, أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كُسِرت رباعيته يوم أحد, وشُجَّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه, فقال:"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم, وهو يدعوهم إلى ربهم"فنزلت هذه الآية. وهو قول ابن عباس, والحسن, وقتادة, والربيع.
واختار جواز لعنهم أكثر العلماء من أبرزهم: مالك (انظر الاستذكار لابن عبد البر 5/ 172) , وأحمد كما سبق, وابن حبان (في صحيحه 5/ 327) , وابن بطال (في