والمعاني الحقيقية: هي التي لها تحقق في نفسها بحيث تدرك العقول السليمة ملاءمتها للمصلحة أو منافرتها لها (أي: أن تكون جالبة نفعًا عامًا، أو دافعة ضررًا عامًا) إدراكًا مستقلًا عن معرفة عادة أو قانون، مثل: كون العدل نافعًا، والاعتداء ضارًا.
والمعاني العرفية العامة: هي ما ألفته نفوس الناس واستحسنتها استحسانًا ناشئًا عن تجربة، وأدركت ملاءمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كون عقوبة الجاني رادعة إياه عن معاودة الجريمة، ورادعة غيره عن الإجرام.
ويشترط لاعتبار المقاصد في توجيه التشريع وبناء الاجتهاد عليها أربعة شروط، وهي: أن يكون المقصد ثابتًا، ظاهرًا، منضبطًا، مطردًا [21] .
ويراد بالثبوت: أن تكون تلك المعاني مجزومًا بتحقيقها أو مظنونًا ظنًا قريبًا من الجزم.
ويراد بالظهور: الاتضاح بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى المقصود منه، مثل حفظ النسب الذي هو المقصد من تشريع الزواج، فهو معنى ظاهر، لا يلتبس بشبيه له وهو العلاقات غير المشروعة.
ويراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حدّ معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، كحفظ العقل الذي هو المقصد من تحريم الخمر، وتشريع الحد بسبب الإسكار الذي يزيل العقل.
ويراد بالاطراد: ألا يكون المعنى مختلفًا باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن، مثل: وصف الإسلام والقدرة على الإنفاق في اشتراط الكفاءة في عقد الزواج في قول جمهور الفقهاء.
فإذا تحقَّقت المعاني بهذه الشروط حصل اليقين بأنَّها مقاصد شرعية، ولا عبرة بعدئذ بالأوهام، كتوهم وجود معنى في الميت يؤدِّي إلى الخوف أو النفور منه، ولا عبرة أيضًا بالتخيلات، كتصور الأشباح والأشخاص في الظلمة، وتوهم وجود مصلحة في التبني، وتوهم إفطار الصائم بالغيبة بتوهم أنه أكل لحم أخيه ميتًا، وتوهم ترك الركوب في الحج.
وَأَمَّا شروط اعتبار المصالح دليلًا في التشريع في رأي المالكية والحنابلة فهي ثلاثة [22] :