الفصل الثالث:
أثر الحيل في أيمان الطلاق
وسأتناول الآن أثر العمل بالحيل الشرعية في أيمان الطلاق، وسأقف بداية على معنى التورية والتعريض من القول، حيث إن الحيل تعتمد على اللفظ الذي يكون ظاهره مخالفًا لحقيقته، وبهذا يكون مراد المتكلم يختلف عن فهم السامع.
معنى التورية والتعريض وأثرها في الحيل:
إن الكلام عن التورية والتعريض يستدعي العلم باللغة العربية وبلاغتها وأسرارها، فهذا ما يسمى اللحن في القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل أحدكم ألحن بحجته من بعض) [1] أي أفطن، فاللحن عند العرب الفطنة [2] .فهذا اللحن في القول يستدعي المعرفة باللغة وأسرارها، فأصل اللحن أن تريد شيئًا فتوري عنه بقول آخر، وتعرض في كلامها وحديثها فتزيله عن جهته فجعل هذا لحنًا وهو ما يُقصد به في اللغة العربية [3] .
وهناك فرق بين لحن الرجل إذا تكلّم بلغته، وألحنته أي أفهمته، قال أبو زيد [4] :"وسمي اللحن لحنًا لأنه لا يخرج عن وجهين (نحوين) وتحته معنيان، وسمي الإعراب نحوًا لأن أصل النحو قصدك الشيء"ومثاله قول: والله ما سألت فلانًا حاجة قط، والحاجة ضرب من الشجر له شوك، وكقول والله ما رأيت فلانًا قط ولا كلمته، أي ما ضربت رئته ومعنى كلمته جرحته. [5] وكقول والله ما أعرف
(1) صحيح البخاري كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين (2496) ،حديث مرفوع عن عبد الله بن عمر، انظر حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ,لأبي نعيم الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1409 ه، بدون تحقيق.,ومعنى لحن فلان إذا قال كلام يفهمه ويخفى على غيره , انظر أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي , الملاحن, تعليق ابو اسحاق ابراهيم الجزائري , دار الكتب العلمية ,بيروت - لبنان، 67
(2) الملاحن، مرجع سابق،15
(3) المرجع السابق:16.
(4) ابو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري من أعلام اللغة العربية والأدب , يعده سيبويه من ثقات اللغويين , وهو شيخ الأصمعي , له تصانيف منها النوادر ,الهمز , المطر ,توفي 215 هـ.
(5) المرجع السابق 25.