الصفحة 1 من 73

بسم الله الرحمن الرحيم

الفكر المقاصدي و ترسيخ الفكر العلمي

الدكتور إسماعيل الحسني

لم ترد مادة"ف. ك. ر"في القرآن الكريم بصيغة الإسم أو المصدر، و لا توجد فيه معرفة بلام و لا منكرة، وإنما وردت بصيغة الماضي و بصيغة المضارع. الفكر بالكسر تردد القلب بالنظر و التدبر لطلب المعاني. ولي في الأمر فكر أي لي نظر و روية. و الفكر بالفتح مصدر فكرت في الأمر من باب ضرب و تفكرت فيه و أفكرت بالألف و الفكرة اسم من الافتكار مثل العبرة و الرحلة من الاعتبار و الارتحال, وجمعها فكر. يقال أفكرته: أي جعلته يفكر. وقيل: الفكر مطلوب من"الفرك": لكن الفرك هو للأمور الحسية، كما تفرك القمح أو الدرة أو نحوهما. أما الفكر فهو للأمور المعنوية [1] .

و مهما يكن من أمر الاستعمالات المختلفة لمادة الفكر فإن ما يهمني منها أنها فعل ذهني مرتبط بالذات الإنسانية كذات مفكرة تريد الوصول إلى"حقائق"مخصوصة. إن الفكر من زاوية معناه النظري و الذهني مبني و مشكل في معظم أحواله من جملة من العمليات الذهنية و الترتيبات النظرية، كالمقارنة، و الاستقراء، و الاستقصاء، و الفهم، والتساؤل، والاعتراض، وتحليل الأمر الواحد إلى أجزاء متعددة، و رد الأجزاء المتعددة إلى أمر واحدا، و غيرها من الأعمال العلمية .... كلها أعمال نظرية و ترتيبات ذهنية تسهم، بهده الدرجة أو تلك، ليس فحسب في تكوين العدة العلمية التي نستثمرها و نوظفها في التوصل إلى المقاصد الشرعية، وإنما تشكل أيضا بهده الصورة أو تلك في ترسيخ ثقافة علمية عند تفكيرنا في شريعنا ومجتمعنا.

يستمد وصفي للفكر بأنه مقاصدي من تشبع صاحبه بالمقاصد التي تستهدفها الشريعة الإسلامية، كما يستند هدا الوصف من استيعابه في الوقت نفسه للعدة المنهجية التي توصله إلى اكتشافها و إعمالها. فالمقاصد الشرعية بالنسبة للمفكر المقاصدي هي نقطة البداية عند التفكير في الشريعة، و هي أيضا نقطة البداية في العمل بأحكامها. لفظ الشريعة مشتق من التشريع. و الشريعة في اللغة إما أن يكون

(1) الفيومي، المصباح المنير ج 2 ص 154. و الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن ص 643.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت