3 إن الحفاظ على الدين الإسلامي في الاعتقاد والتشريع، وفي الأخلاق والآداب، هو المحور الذي تدور على خدمته كل أهداف الشرع. نعم هذا لاشك فيه لكن لا يشك المرء أيضا فيما يتخذه الاجتهاد في هذا المقصد الأصلي من مظاهر جديدة في العصر الحاضر. من ذلك الاختلاف في أمر"تطبيق الشريعة"، خاصة أحكام المعاملات منها، والاختلاف في معنى الشورى المراد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والاختلاف في تصور الجهاز السياسي الذي يتولى حماية الدين وحفظ بيضة الأمة ...
لا يسع المرء، وهو يسمع في الوقت الحاضر أخبار الاغتيالات والقتل بدعوى حفظ الدين الإسلامي إلا أن يطرح جملة من التساؤلات، منها هل من مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد أن يقيم كل فرد مسلم من نفسه قاضيا، ومنفذا، ومشرعا مجتهدا، وممضيا للأحكام الشرعية؟ هل تقوم للدين الإسلامي بما يماثل أساليب العنف قائمة في حياة المجتمع الإنساني المعاصر؟ ألا إنه أسلوب لا يصح، لا من عامة أهل الشريعة ولا من خاصتها. لا يصح من العامة لأنهم تكلموا فيها هم غير مسؤولين عنه، ولا يصح أيضا من الخاصة لأنه أسلوب لا يسلم من وجوه الاعتراض [1] في كيفيات تنزيل وتطبيق حفظ الدين في العصر الحاضر.
4 يقود مفهوم التمايز في الفكر المقاصدي إلى حتمية استحضار سعة الأفق، كشرط ضروري في تمثل فهم علماء المقاصد لمصالح حفظ النسل والمال والعقل. فلئن تولى الشارع حفظ هذه المصالح من جانبي الوجود والعدم، كما قال الشاطبي [2] ، فإن تحديدها في الواقع وتنزيلها في الوجود الحي يتطلب سعة في آفاق تفكير الفقيه سعة يستوعب من خلالها مراتبها المختلفة، ويتنبه من خلالها أيضا إلى المتغير الطارئ على أحوال الناس وأوقاتهم.
لا يكون حفظ النسل محصورا في الأمور المانعة من اختلاط الأنساب بل إن التمايز النقدي يحملنا على القول بأن المراد من حفظ النسل هو أيضا اجتهاد في الحفاظ على كل ما من شأنه التمكين للعيش الكريم والرعاية المادية للأسرة المسلمة في حاضر دنياها ومستقبلها. كما أن تعليل الحفاظ على المال لا يكون فحسب بمصلحة عدم تضييعه في غير وجوه الحلال، بل يقوم أساسا في المقام الأول على إجراءات وقتية
(1) أقتبس من وجوه الاعتراض ما جاء على لسان الأستاذ سعيد بنسعيد العلوي في قوله"ما يكون"للخاصة"من أهل ملة الإسلام أن يقيموا أنفسهم"دعاة"و"منفذين"لما حكموا هم أنفسهم بلزومه في غير مراجعة ولا اعتراف بوجوب النظر إلى الاجتهاد المخالف بعين الاعتبار".الإسلام وأسئلة الحاضر - الرباط- 2000 منشورات الزمن - الطبعة الأولى - ص: 60 وينظر أيضا ص: 74 و 79 وينظر أيضا قراءتي لهذا الكتاب مجلة فكر ونقد - العدد 40 يونيو 2001.
(2) معنى جانب الوجود أن شطرا من أحكام الشريعة يحقق أركان هذه المصالح ويثبت قواعدها، أما جانب العدم فمعناه أن شطرا آخر من الأحكام يدرأ كل اختلال واقع أو متوقع فيها ... الموافقات 2/ 8 وما بعدها