1 من أهمها في تقديري حقيقية التمييز بين الخاصة والعامة من العلماء بالشريعة. فلا يستقيم التدين بها في غياب العلم بضوابط فهم دلالات خطابها والتفكير في علل أحكامها وكيفيات تنزيلها. وإن العلم بها، انطلاقا من مفهوم التمايز، متفاوت المراتب:
مرتبة عامة تتضمن قسم المعلوم من الشريعة بالضرورة، ليس فحسب في جوانب التشريع، بل أيضا في جوانب الاعتقاد والأخلاق والآداب والتي يشترك جميع المسلمين في العلم بها والعمل وفقها.
ومرتبة خاصة تختص النخبة من علماء الإسلام في العلم بها. ومن بينهم علماء المقاصد، وإن كانوا متمايزين في تحصيلها حسب تغاير أعصارهم، وتفاوت إمكانات أفهامهم واستنباطاتهم.
والثمرة الأساسية من هذا التمييز عدم خوض العوام من المسلمين فيما ليسوا مؤهلين له من إعمال القياس ونشدان التقصيد وغير ذلك من ضروب الاستدلالات العلمية، بل إنني أرى أن أول واجبات الخاصة من أهل العلم و الفكر المقاصدي كف العوام عن القول في أمور الشريعة ومقاصدها وخاصة في الأحوال التي تكون عاجزة عن ذلك، وفي الأحوال التي تخرج عن دائرة مسؤولياتها.
2 تشكل مفاهيم الفكر المقاصدي روح الاجتهاد في الشريعة الذي يتقيد، كما لا يخفى، بمصلحة المجتمع. فلا يفتى في المستحدثات وما تطرحه من إشكالات على مجتمع المسلمين قبل بذل الجهد الفكري أولا في تعقل الشريعة كبناء يتعاضد على تكوينه الإفادة والاتساق، وثانيا في فهم الواقع المستجد، والمتغير الذي يتوجه عليه خطابها المقاصدي. وأهم ما يجب على المجتهد الانتباه إليه في هذا الصدد هو وعيه الدقيق بالتمايز. دون هذا الوعي يفتقر إلى النظرة التعاضدية - الشمولية للشريعة من جانب أول، وتنقصه القراءة الدقيقة للواقع المجتمعي من جانب ثان. يتمكن المجتهد، انطلاقا من شروط ومعطيات هذا الوعي، من الإدراك السليم للصلات التي تربط المستحدثات بالأحكام المنصوصة، فيقدم اجتهادا جدليا للأولى في ضوء الثانية وللثانية في ضوء الأولى.
ولما كانت طبيعة هذا الاجتهاد استفراغا فكريا، كما تحتمل نتائجه الصواب تحتمل أيضا الخطأ، كانت مصلحة الأمة بمجموعها الضامن الحقيقي للصواب في أحكامه. لا أعني مجموع العوام فيها، بل إجماع الخواص من علمائها. علة ذلك أن المجتهدين مختلفون في استخلاص واستنباط الأهداف التي يقصدها الشارع من الخلق فيما يصدره من أوامر ونواهي من جهة، وفي تنزيلها عند الإفتاء في الحوادث المستجدة على الأنظار من جهة ثانية.