الصفحة 34 من 73

حاجاتهم فيها [1] . علة ذلك أن ظروف تطبيق الكليات متغيرة بحسب الأحوال والعادات والأزمان، كما أن عقلانية الفقهاء متغايرة في إدراك وجوه حفظ الجزئيان للكليات أو لنقل في إدراكهم لوجوه الاتساق التي تربط الكليات بالجزئيات. قال الشاطبي:"إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما ( ... ) فإنه إن علم أن الحفظ على الضروريات معتبر، فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة فإن للحفظ وجوها قد يدركها العقل وقد لا يدركها. وإذا أدركها فقد يدركها بالنسبة لحال دون حال، أو زمان دون زمان أو عادة دون عادة" [2] .

و على كل حال إن الوعي الدقيق بالتغاير، سبب جوهري ومفصلي في الالتجاء إلى عدة المقاصد في الاجتهاد، بل إن هذا الوعي إجراء ناجع لتبين مقدار التجديد والإبداع الذي يتضمنه شطر كبير من الخطاب المقاصدي. بيان ذلك أن الأغراض التي يتقصدها صاحب الشرع ويستهدفها متفاوتة، والظروف والأحوال التي تستلهم فيها متغايرة، ومن ثم فكل من يقف جامدا عند دلالات النصوص الشرعية، ولا يطوف بفكره في الزمان، ولا يجول بنظره في الوقت وحكمه، يجمد عليها. وتلك هي الجناية الحقيقية على الشريعة بتفويت مقاصدها وأغراضها، وبإظهارها في مظهر غير ملائم لما يجد من الظروف والأحوال المتغايرة.

حاصل القول إن الفكر المقاصدي عدة منهجية في التوصل إلى مقاصد الشريعة و في إعمالها في الاجتهاد الفقهي. و المعتبر من هذه العدة ما ترسخه من فكر علمي في ثلاثة مستويات: مستوى المبادئ فتجعل الفكر المقاصدي منطلقا دائما من مبادئ الإفادة و التعليل و الفطرة. و مستوى التقنيات فتجعل هدا الفكر مبنيا دائما بأداتين: استحضار المقامات التي وردت فيها الخطابات الشرعية، و استقراء المعطيات الشرعية في أبعادها الجزية و الكلية. و من شأن دلك الاستحضار و هدا استقراء ان يحفظ للخطاب الشرعي ليس فقط فائدته و لكن أيضا يحفظ له اتساقه الداخلي و الخارجي. و مستوى المفاهيم التي توضح الكيفية التي يبنى بها الفكر المقاصدي.

و إذا كان من دروس يمكن للباحث استخلاصها من الفكر العلمي الدي يرسخها الفكر المقاصدي، فلتكن التأكيد على الدور الحاسم والقوي لجملة من الحقائق في أي نظر وعمل متعلق بالدين الإسلامي.

(1) يراجع مصادر هذا المنزع الاستدلالي في التراث الأصولي السابق على الشاطبي: الجويني في غياث الأمم ص: 295، والغزالي في شفاء الغليل ص: 154، والعز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ج 2 ص 300 والموافقات ج 4 ص 210.

(2) الموافقات للشاطبي ج 3 ص: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت