المصالح لا تأتي به" [1] . و يكفي أن ألمح في هدا الباب إلى أن الوعي بالتغاير عنصر أساسي من العناصر المعرفية التي تفسر فرادة و غنى الفكر المقاصدي للإمام الشاطبي. يبدو دلك على الأقل في مظهرين:"
الأول جمعه الدقيق بين التجريد والتنزيل في تصور الفعل التكليفي الذي يتوجه عليه قصد الشارع من خطابه و أحكامه. يفرق صاحبنا في هدا المظهر بين تصورين أساسيين لفعل التكليف الشرعي: أحدهما تصور تجريدي يتعقل من خلاله المجتهد تعقلا نظريا الفعل التكليفي، اقتضاء أو تخييرا أو وضعا. الثاني يتعقل هذا الفعل كما تحدد و تكيفه ظروف تنزيله في الواقع، فلا يدرج حكم فعل من الأفعال في مرتبة من مراتب الأحكام الشرعية، إلا بعد الوعي بما يطرأ على الفهم النظري و المجرد، إد مكونات هذا الأخير الذهنية، بحكم طبيعتها عامة، وكلية، لا بد من تخصيصها في الواقع،"ولا تتخصص حتى تتشخص، ولا تتشخص حتى تمتاز من سواها من المتشخصات بأمور أخر" [2] .و عليه لا يصح للفقيه إذ سئل عن نازلة من النوازل المستجدة الإجابة فحسب وفق ما ينبغي أن يكون، بل يجب عليه أيضا الإجابة وفق ما هو كائن. وطريق ذلك التبصر بكيفية حصول النازلة في الواقع المتغير. والجدير بالإشارة أن منشأ الوعي بالتغاير عند الشاطبي هو، بالإضافة إلى إطلاعه العلمي الواسع، انخراطه العملي في خطط العدالة والإمامة وغيرها من الخطط فضلا عن معايشته لثراء المناشط الاقتصادية ودقة الأوضاع الأمنية لبيئة غرناطة في عهده.
والمظهر الثاني تفهمه للاختلاف الحاصل بين المجتهدين. قد يكون الخطإ في الاستدلال بجزئيات الشريعة مع الإعراض عن كلياتها. كما قد يكون الخطأ أيضا في الاستدلال بكلياتها دون الالتفات إلى ما عليه الجزئيات في الواقع. الصواب الذي يستوجبه الوعي بالتغاير في نوازل المعاملات هو الجمع الدقيق بين الكليات و الجزئيات. بيان دلك أنه لا يمكن تنزيل كليات الشريعة على أفعال الناس دون التبصر بتغير أحوالهم وأشخاصهم وأوقاتهم. على سبيل المثال إن الأمور المشروعة بالأصل إذا أدى الاحتراز عن عوارضها بسبب تغير الأحوال إلى وقوع الناس في الحرج والمشقة، فلا يمكن للفقيه كفهم عن الظفر بضروراتهم فيها، ولاحق له في منعهم من اقتضاء
(1) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محي الدين عبد الحميد-دار الفكر، لبنان، بيروت، بدون تاريخ، جزء 3 ص 14
(2) قال الشاطبي:"كل مكلف مخاطب في خاصة نفسه، فهو إذن مخاطب بما يصح له أن يحصله في الخارج، فلا يمكن ذلك إلا باللوازم الخارجية، فهو مخاطب بها لا بغيرها"الموافقات: 3/ 38.