الصفحة 32 من 73

يروى أن أحدهم ذكر أمام أبي حنيفة حديث:"البيعان بالخيار ما لم يفترقا" [1] . فنبهه ببداهته إلى أن ثمة ظروف متغايرة تلزم البائع والمشتري عدم الإفتراق: كأن يكونا في سفينة، أو في سجن، أو في سفر ... لذا أفتاه بأنه إذا وجب البيع فلا خيار. كما روي عن الإمام مالك قوله: - مخاطبا أبا جعفر المنصور لما عزم على الأمر بالعمل بما في موطأه-"لا تفعل يا أمير المؤمنين فقد سبقت إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل قوم بما سبق إليهم فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم". يستشف من هذا القول خاصية التسامح مع المختلفين. ومنشأها الوعي بتغير الأحوال، ونقرأ في ضوء هذا الوعي طريقة العمل عند الإمام مالك، والتي توضحها أقواله المختلفة،:"تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا من الفجور"،"والأمر المجتمع عليه عندنا"، و"الأمر عندنا ووببلدنا"، و"أدركت أهل العلم". وكلها أقوال لا يمكن للفقيه المالكي تحقيقها في واقع الناس إلا بالإلتفات العميق لأبواب المغايرة في النوازل.

لننظر في رسالة الإمام الشافعي مرة أخرى، وهي أول نص مدون بين عامي 196 - 198 هـ. المهم فيها هو الوعي بالتغيرات الطارئة على المجتمع الإسلامي، وإدراك صاحبها للأبعاد العملية للإختلاف في أصول الفقه. ولا غرو في ذلك لأنه رجل، كما ينقل عنه يقرأ التاريخ بغرض الإستعانة به على الفقه وأصوله. من ذلك عمل أهل المدينة، فلئن كان هذا الأصل عند الشافعي مصدرا تاريخيا في العمل بالأحكام الشرعية، إلا أنه لا يرقى دائما وأبدا إلى درجة الأصل المعتمد عليه في الاستنباط. ومن ثم لا بد من التمييز في فقهاء المدينة بين من يعتد بخلافه وبين من لا يعتد بخلافه منهم

إن درس الوعي بالتغاير مستفاد عند الفقيه من التاريخ لأنه إذا تبدلت أحوله، كما قال ابن خلدون:"جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث" [2] . أفاد الفقهاء وعلماء المقاصد من هذا الدرس [3] . و من كلام بعضهم"ما يحمل معه بصمة الزمان و المكان فلا يجوز تأبيده في الزمان و لا تعميمه في المكان". و لابن القيم كلام دقيق في الفصل الدي عقده في تغير الفتوى و اختلافها بحسب تغير الأزمنة و الأمكنة و الحوال و النيات و العوائد. إن هدا الفصل من الكنوز المعرفية التي ورثناها عن هدا الفقيه المقاصدي الحنبلي، وقع -وكما قال بحق-"بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقة و تكليف ما لاسبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب"

(1) 2 يراجع في شأن توثيق وفقه هذا الحديث محمد الطاهر بن عاشور- كشف المغطى عن المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ- تونس الشركة التونسية للتوزيع- 1976 م- ص 280.

(2) المقدمة، ص 36.

(3) يراجع للتوسع في هده النقطة كتابي فقه العلم ص: 249 و ما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت