الصفحة 31 من 73

العدلية، وغيرها من الإجراءات والهياكل التي تصور المجتمع الإسلامي في الصورة التي ترغب غيره من المجتمعات في التقرب إليه، والإندماج في قوامه وبنيته.

لا طريق إلا هذه المرتبة في تقديري إلا إذا انطلقنا من استحضار مقصدين: مقصد السماحة من حيث كونها سهولة المعاملة فيما اعتماد الناس التشديد فيه، ومقصد التسامح كسلوك أخلاقي يعير من جهة بالثقة في فراده عقائد الإسلام وتميز قيمها العملية، ويقوم من جهة ثانية على الاجتهاد في تلقي مفارقات الغير بالصدر الرحب، واللسان الطلق، والتعايش معها والتحاور مع أهلها بالنزيه من أساليب المنطق، ومن ثم كان حقيقا بالمرء أن يصف مع الإمام ابن عاشور هذا السلوك بوصف"العظمة الإسلامية" [1]

لا يتحدد مفهوم التمايز في مجرد التمييز بين المراتب، و إنما يمتد إلى الوعي بالتغاير في الواقع الوجودي. فبقدر ما يكون بالتغاير في الوجود المجتمعي تتقوى قدرات الفقيه على تطبيق الأحكام وتنزيلها على الحوادث المستجدة. وإذا علمنا أنه لا وجود لإدراك موضوعي مستقل عن موضوع الإدراك، ولا وجود أيضا لواقع موضوعي مستقل استقلالا تاما عن الذهن الذي يدركه. أقول إذا علمنا بانتفاء هذين الأمرين تبين أنه لا مشروعية لأي استنباط فقهي ولا لأي فهم فكري دون الوعي بأشكال المغايرة في الوجود الدنيوي، من مقابلة ومفارقة ومخالفة ... لقد أعمل فقهاء الإسلام الأفداد هذا الوعي أثناء فقههم للمتغيرات ابتداء من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. لا يخفى ما عرفه المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول من متغيرات عميقة. فنازلة موته أدت بالصحابة إلى النظر في مسألة خلافته. وعملية الفتوحات تطلبت منهم إبداع إجراءات تحدد قواعد التعامل مع الأراضي المفتوحة عنوة، وتلاقح المسلمين الفاتحين مع الهيئات والمجتمعات المندمجة في الإسلام أدى بهم إلى النظر في قضايا الإستفادة من نظمها ومؤسساتها من جهة، وإلى الاختلاف في استنباط أحكام النوازل الواقعة في تلك البيئات والمجتمعات من جهة أخرى.

يلفت انتباه المؤرخ الأوج الذي بلغته المتغيرات المجتمعية في أول العصر العباسي، كالصراع حول الخلافة، ومقتل عثمان وعلي، وانتقال الخلافة إلى الكوفة، ثم إلى الشام ... أذكر أمثال هذه المتغيرات، وأنا أعلم مسبقا، تفاوت فقهاء هذا العصر في إعمال الوعي بالتغاير. فبيئة المدينة، على سبيل المثال، لم تعرف من المتغيرات ما عرفته البيئة العراقية. وعلى كل حال إن الذي يهمني من الإعمال الفقهي للتغاير هو كونه سببا من الأسباب الأساسية التي تفسر اختلاف قواعد الفقهاء الأوائل، كأبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله.

(1) أصول النظام الاجتماعي لابن عاشور ص: 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت