الصفحة 30 من 73

الضروريات في أجناس، بل وفي دعوته إلى تقسيم جديد للمصالح تكون الأولوية فيه للقيم: قيم النفع والضرر، وقيم الحسن والقبح، وقيم الصلاح والفساد [1] .

ويعلل الآمدي تقديم النسل على العقل من جهة، وتقديم النفس على العقل من جهة أخرى، بتأصيل حفظ النفس والمال لحفظ العقل، إذ لا يقع حفظ هذا الأخير إلا بالحفظ النفسي والمالي، بل العقل نفسه لا يتصور بدون حفظهما سلفا.

-الحاجيات: وتضبط مرتبة الحاجيات حياة التعاون والتضامن في المجتمع، فترفع الضيق والحرج عن الأفراد، وتعتمد في التوسع عنهم، خاصة في أبواب المعاملات المالية كالقراض والمساقات والسلم وسائر أحكام البيوع المباحة.

يوضح الزركشي الفرق بين الضروريات والحاجيات بقوله:"فالضرورة بلوغه حدا، إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو، والحاجة كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة" [2] .

ينبهنا فقيه المقاصد في العصر القديم الإمام الشاطبي إلى المنحى المرتبي لأحكام المعاملات في هذه المرتبة، فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى بيع الغرر"وجدنا المفسدة في العمل به على مراتب: فليست مفسدة بيع حبل الجملة كمفسدة بيع الجنين في بطن أمه الحاضرة الآن، ولا بيع الجنين في البطن كبيع الغائب على الصفة، وهو ممكن الرؤية من غير مشقة" [3] .

وقبل الشاطبي يلفت الغزالي الانتباه إلى الاختلاف الحاصل في هذه المرتبة الحاجية، إذ ما به صلاح العالم فيها مراتب متعددة وليس مرتبة واحدة. يؤكد هذا أن مرتبة الحاجيات ترقى، خاصة عند اتصالها بمجموع الأمة وفي أحوال معينة، إلى مرتبة الضروريات. وقد أوصل البعض حاجة المجتمع إلى الكرامة وحرية الرأي والمساواة إلى مرتبة الضروريات التي يقوم عليها وجود الإنسان المادي و المعنوي.

-التحسينات: والمقصود بمرتبة التحسينات المحاسن التي تتفق حولها الأذواق مما لا يتعارض مع مكارم الأخلاق، ومثلوا لها قديما بمنع النجاسات وفضل الماء والكلأ وسلب المرأة منصب الإمامة، وصورها الإمام محمد الطاهر بن عاشور في أمثلة حديثة، كنشر العلم، وإيجاد الملاجئ، والمنتزهات، ومواضع الاستجمام، والإسعافات

(1) جمع الجوامع للسبكي ج 2 ص: 209. و البحر المحيط للزركشي ج 5 ص: 209. و إرشاد الفحول للشوكاني ص: 2010. و تجديد المنهج لطه عبد الرحمن ص: 113 - 114.

(2) البحر المحيط للزركشي ج 5 ص: 210.

(3) الموافقات للشاطبي ج 2 ص 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت