الصفحة 10 من 47

المقاصد إنما نبتت مصطلحًا ونضجت مفهومًا وتكاملت عناصر في خضم جدل العلماء بخصوصهما.

ولنمهِّدْ للمسألة الأولى بكلام للإمام أبي إسحاق الشيرازي جاء فيه أن علل الشرع بعد أن جعلها الشارع عللًا"وجب طردُها وجريانُها كالعلل العقلية، لأنها بعد جعلها علة في اقتضاء الحكم بمنزلة العلل العقلية في جميع الأزمان"، [1] وبذلك فإن الخلاف في اقتضاء العلة الحكمَ أهو بنفسها من حيث هي مؤثرة في معلولها أم بنصب ناصب وجعل جاعل"لا يعود إلى فائدة، وإنما هو اختلاف في الاسم". [2] وتنبع أهمية هذا الكلام - فيما يلوح لنا - من كونه يتضمن تنبيهًا إلى ضرورة تجاوز الجدل الكلامي الذي استغرق كثيرًا من جهود الأصوليين تناظرًا حول إيجاب العلل الشرعية وعدم إيجابها وسعيًا للتمييز بينها وبين العلل العقلية، من أجل تصويب النظر على ما تدل عليه أو تومئ إليه تلك العلل من حِكَمٍ ومصالح. ومهما يكن من أمر، فإننا نستطيع أن نتبين في العبارات التي استخدمها علماء الأصول في تعريفهم للعلة بعدين مهمين مترابطين لا يستقيم بدونهما إدارك علية العلة أو الوصف للحكم الشرعي: الأول هو ما يمكن أن نعتبره بعدًا خارجيًّا أو ظاهرًا لعلة الحكم، والثاني هو ما يمكن عده بعدًا داخليًّا أو باطنًا لتلك العلة. وبعبارة أخرى، هذان البعدان هما البعد الخاص بمظهر الحكم والبعد الخاص بمضمونه. وقد عبرت عن البعد الأول طائفةٌ من الألفاظ مثل كون العلة معرفًا وسببًا للحكم أو دليلًا وأمارة له وعلامة عليه، [3] أما الثاني فقد استخدمت في التعبير عنه جملة أخرى من الألفاظ مثل الباعث والداعي والحكمة. [4]

ولتوضيح هذين البعدين دعنا ننظر في حكم القصاص معتمدين على ما قدمه الإمام الغزالي بشأنه من تحليل. فالقتل العمد، وهو واقعة موضوعية، هو الأمر أو الحدث الخارجي الذي عُلِّق به حكمُ القصاص، فهو الأمارة أو العلامة على الحكم، وهو كذلك

(1) الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم: شرح اللمع، تحقيق عبد المجيد تركي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1408/ 1988) ، ج 2، ص 790.

(2) المرجع نفسه، ج 2، ص 833.

(3) انظر في ذلك مثلًا الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي: الفصول في الأصول، تحقيق محمد محمد تامر (بيروت: دار الكتب العلمية، 1420/ 2000) ، ج 2، ص 162 و 201؛ البصري، أبو الحسين: المعتمد في أصول الفقه، تحقيق محمد حديد الله وآخرين (دمشق: المعهد الفرنسي بدمشق، 1965) ، ج 2، ص 768 - 769 و 773 - 774؛ الباجي، أبو الوليد: إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد المجيد تركي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1415/ 1995) ، ج 2، ص 658، الجويني: البرهان في أصول الفقه، ج 2، ص 498 و 511؛ الطوفي، نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي: شرح مختصر الروضة، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1410/ 1990) ، ج 3، 31 - 317. وانظر السعدي: مباحث العلة، ص 71 - 102 و 145 - 157.

(4) شلبي: تعليل الأحكام، ص 117؛ السعدي، مباحث العلة، ص 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت