الصفحة 2 من 47

من المعلوم الثابت عند أهل التحقيق أن البحث عن المبادئ العامة الناظمة لنصوص الشريعة في أصولها وفصولها والمقاصد الكلية المنوط تحقيقها بالأحكام الشرعية في جزئياتها وفروعها ليس أمرًا مستحدثًا طرأ مع تكون المذاهب الفقهية وتمايزها أو نشأ مع ظهور علم أصول الفقه وتكامله منهجًا يهدي عمل الفقيه المجتهد في استنباط الأحكام من أدلتها ثم تنزيلها على الوقائع وتكييف أوضاع المكلفين طبقًا لمقتضياتها. وإنما كان ذلك صنيعًا يضرب بجذوره في صميم العهد النبوي وجيل الصحابة الذين تلقوه عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أخذًا فيه بتوجيهات القرآن الكريم تصريحًا وتنبيهًا وإيحاءً بما يدل على حكمة التنزيل وخلو الشريعة عن العبث وبعدها عن التحكم، وكون أحكامها إنما وُضعت لمصلحة العباد في المعاش والمعاد.

وإذا كان هذا البحث لم يتخذ في ذلك العصر لغةً فنية خاصة أو مصطلحات علمية متميزة، فإن ذلك أمر طبيعي في نمو الفكر الإنساني، حتى وإن استند في قضاياه ومقولاته ومسائله واستدلالاته إلى مرجعية الوحي. ثم إن جيل الصحابة، الذين شهدوا تنزل الوحي وتلقوا هديه على يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - تربية لهم منه وتعليمًا وإرشادًا، قد أُشربَ أكثرُهم - وخاصة مَنْ عُرفوا بالاجتهاد والفتوى منهم - الروحَ الكلي الذي يسري في نصوص الشريعة والمعانِيَ الكليةَ التي تنضوي تحتها جزئياتُها والأصولَ العامة التي تنتظم فروعَها، وذلك بضرب من الفهم الارتكازي الذي تولد لديهم بفضل الإشعاع الروحي والفكري المباشر لوجود صاحب الرسالة في حياتهم وبيئتهم. [1] والآثار المروية عن أئمة الفتوى والاجتهاد من الصحابة ومن أخذ عنهم من جيل التابعين طافحة بشواهد سيرهم على نهج البحث عن مقاصد الشريعة والتبصر بمناسبات المصالح واعتبارها عند استنباط الأحكام وإجرائها على الوقائع والنوازل التي تعرض لهم. [2]

وما أن استقامت لمذاهب التفقه والاجتهاد مبانيها واستوت مناهجها ومسالك النظر لديها، وما أن تمايزت أعلامها واستقرت مداركها من خلال نضوج علم أصول الفقه مجالًا مستقلاًّ في الفكر التشريعي الإسلامي، حتى صارت لموضوع مقاصد الشريعة مصطلحاتٌ تخصه وألفاظ تعرب عنه، وإن كان ذلك قد تم على نحو متدرج عبر تراكم

(1) انظر في هذا المعنى محمد باقر الصدر: المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، ج 13: المدرسة القرآنية، السنن التاريخية في القرآن (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1410/ 1990) ، ص 39 - 40.

(2) راجع ما ساقه بهذا الشأن الشيخ محمد مصطفى شلبي في كتابه تعليل الأحكام (بيروت: دار النهضة العربية، 1981) ، ص 35 - 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت